كنتُ في زيارةٍ لمنزل أصدقاء إيرانيين، يعيشون في نيودلهي منذ مطلع الثمانينيَّات؛ هربًا من نظام الخوميني، الذي صادر كلَّ شيء في إيران تقريبًا، لكنَّني فُوجئتُ في غرفة الصالون بصورة كبيرة للخوميني بالألوان داخل إطار مذهَّب فخم، فقلتُ لهم مستنكرًا: أسمع كلامك أصدّقك، أشوف أمورك أستعجب.. وأشرتُ بالسبَّابة إلى وجه خوميني الذي بدا وكأنَّما يطالعُ في وجوهنا، وأضفتُ: تقولون إنَّكم هاربون من نظام الخوميني، ثم تحتفون هكذا بصورته؟! أشار أحدهم بيده إلى فمه، محذِّرًا من أنَّ أحدًا قد يسمعُ ما قلت؛ ممَّا يُعرِّض حياتي للخطر، لكنَّني مع ذلك لم أتوقف، وصمَّمتُ على أن أتلقَّى إجابة، فقام أحدهم إلى اللوحة المُعلَّقة بالجدار، وقلبها بيده، جاعلاً وجه الخوميني إلى الحائط، ثمَّ قال لي: الآن يمكنك أن تتحدَّث بحرَّية، نحن يا صديقي نضعُ هذه الصورة داخل هذا الإطار الفخم في صدر مجلسنا، من باب التقيَّة، فوجود الصورة عندنا يعفينا من ملاحقات مخابرات الملالي.
قبل هذه الواقعة بنحو عامين، وصلت طائرة الخوميني إلى مطار مهر أباد في طهران، عائدًا من منفاه في نوفتيل لو شاتو في فرنسا، بعدما تمكَّن الملالي من الإطاحة بالشاه السابق محمد رضا بهلوي، كان عشرات الآلاف من الجماهير التي أصابها الهوس ينتظرون بساحة المطار متطلِّعين إلى باب الطائرة الذي خرج منه خوميني مُلوِّحًا لمستقبليه، عندها صرخ رجل كان يقف وسط الآلاف المحتشدين مشيرًا إلى السماء: انظروا إلى القمر.. وجه خوميني مطبوع على سطح القمر!! وصرخ الناس خلفه مشيرين إلى القمر: «الله أكبر.. خوميني رهبر»، وبالطبع فإن كلمة رهبر في الفرنسيَّة تعني الزعيم، أو المرشد، أو القائد.
بهذا المشهد المصنوع بدقَّة، في مطار مهر أباد جرت أكبر عمليَّة غسيل مخ جماعي في التاريخ الحديث كلّه، وجرى تتويج المرشد (رهبر) حاكمًا لا حدود لسلطانه، وبروح البازار، ابتكر الإيرانيون صيغة تتيح للمرشد أن يكون الحاكم المطلق، دون أدنى مساءلة، فيما تسمح بوجود رئيس منتخب من بين مرشحين اختارهم رجال المرشد بعناية، لكن هذا الرئيس المنتخب هو بلا سلطان تقريبًا، فالقول الفصل عند المرشد، والقرار الأخير هو للحوزة في قم، وليس للحكومة في طهران.
منذ اليوم الأول لحكم الملالي في طهران، تحدَّث القادة الجدد بصراحة عن اعتزامهم «تصدير الثورة إلى الجوار»، بل إنَّ وزير خارجيتهم -آنذاك- صادق قطب زادة، أعلن ذلك بوضوح لدى زيارة لبعض دول الخليج، ما أثار عاصفة غضب خليجيَّة، اضطرت إيران معها إلى إقالة قطب زادة، كسبيل لتجاوز أزمة كبرى مع الجوار، لكنَّ سياسة الملالي لم تتغيَّر في جوهرها، واستمرَّت محاولات طهران للتدخُّل في شؤون دول الخليج العربيَّة، دون توقُّف تقريبًا، بالتحريض تارة، وبالإرهاب تارة أخرى.
تصريحات المرشد علي خامنئي الأخيرة بشأن تدويل المقدَّسات الإسلاميَّة في مكَّة المكرمة، والمدينة المنورة، هي إحدى ذرى التحريض، وعمل عدائي لا يستهدف صالح الإسلام والمسلمين، بقدر ما يستهدف تحقيق غايات طهران في تمزيق دول الجوار، واختطاف الإسلام برموزه ومقدَّساته.
لا أعرفُ بأيِّ وجه يتطاول خامنئي على نظام الحكم في المملكة، فيما تعاني قطاعات واسعة من شعبه الاضطهاد والتمييز والقمع؟! ولا أعرفُ عن أيِّ تدويلٍ يتحدَّث هذا «المرشد إلى الضلال»، فيما يلقى الحرمان الشريفان من الرعاية والعناية والاهتمام، ما لا تقدر على تقديمه قوى عظمى مجتمعة؟! ولا أعرفُ -أيضًا- لماذا لم يفتح المرشد إلى الضلال فمه بكلمة تدويل القدس مثلاً؟! هل لأنَّه يرى أنَّ بيتَ المقدس في مأمنٍ، وأنَّ حرمةَ المسجد الأقصى مصانةٌ، وأنَّ المحتلَّ الإسرائيليَّ يكفلُ الأمانَ والطمأنينةَ للمسلمين، ويُمكِّنهم من أداء الشعائر الإسلاميَّة في أمنٍ وطمأنينةٍ؟!
ثمَّ.. لقد سطا الفرسُ الخومينيون على العتبات المقدَّسة لدى الشيعة في العراق، فهل أصبحت تلك العتبات أكثرَ أمنًا، فيما يتساقط عشرات القتلى كلَّ جمعة بتفجيرات لم تنجُ منها المساجد؟!
على المرشد إلى الضلال علي خامنئي أنْ يعودَ إلى صوابه، وأنْ يعتذرَ عمَّا اقترفته بلاده من جرائم بحقِّ الإسلام والمسلمين، وعليه أنْ يتذكَّرَ أنَّ المملكة التي تحتضنُ الحرمين الشريفين، وتهيّئ لعموم المسلمين حريَّة الوصول إليهما، والتعبُّد فيهما في أمانٍ وخشوعٍ تامَّين، هي الوطن الثاني لكلِّ مسلم، وأنَّ الدفاع عن ترابها المقدَّس هو مهمَّةٌ وواجبٌ مقدَّسٌ على كلِّ مسلم.
الإيرانيون الذين وضعوا وجه خوميني في الحائط، يتطلَّعون إلى يوم تتحرَّر فيه إيران من استبداد الملالي، أمَّا خطايا خامنئي وتطاوله، فقد يُعجِّل بهذا اليوم.
خامنئي.. المرشد إلى الضلال
تاريخ النشر: 09 سبتمبر 2016 02:12 KSA
كنتُ في زيارةٍ لمنزل أصدقاء إيرانيين، يعيشون في نيودلهي منذ مطلع الثمانينيَّات؛ هربًا من نظام الخوميني، الذي صادر كلَّ شيء في إيران تقريبًا، لكنَّني فُوجئتُ في غرفة الصالون بصورة كبيرة للخوميني بالألو
A A


