المظلوميَّة ليست مجرَّد تعبير عن جُرم ارتُكب ضدَّ أحد، لكنَّها قضيَّة لمجموعة معيَّنة من البشر يتعرَّضون كجماعة لعداء بشع، يبدأ بالاضطهاد، وينتهي بالإبادة، ولا تكتمل إلاَّ بالتظلُّم الزنَّان الذي لا يصمتُ، ولا ينتهي، تظلُّمٌ يقبع على ضمير العالم من لحظة وقوعه، وحتى وقفة الحساب بين يدي الخالق. هذا ما يفعله اليهود مع فكرة المحرقة المزعومة (الهولوكوست) التي تحمَّل ذنبها هتلر، ثُمَّ الرايخ الثالث، ثُمَّ الجيش النازيّ، ثُمَّ الشعب الألماني، ثُمَّ العالم بأجمعه. هذه المظلمة لا تختلف عن غيرها من بشاعات ارتكبها الإنسان ضد الإنسان، منذ خلق الله الأرض، فما الذي رفعها إلى هذه المرتبة المتعالية من مصائب البشر، حتَّى انحنت لها الرقاب؟ إنَّه فنُّ الصناعة.
أوَّل درب سارت إليه المحرقة هو الإعلام، فمنذ الأربعينيَّات من القرن الماضي، وموضوع الهولوكوست يرتع في حقول السينما، والمسرح، وبرامج التلفزيون، والراديو، والصحف، والمجلات، والروايات، واللوحات. تسخير كل هذه السبل لخدمة القضيَّة التظلميَّة بتكرار مستمر لا ينقطع ولا يمتنع، بل هو متزايد ومطَّرد، وضعها في قلب قضايا العالم، وفي حنايا وجدانه. وصل عدد الأفلام التي تتمحور حول الهولوكوست منذ الأربعينيَّات، وحتى 2010 إلى 341 فيلمًا دراميًّا ووثائقيًّا.
ثُمَّ استعانت القضيَّة بالمتاحف، والنصب التذكارية في مواقع مختلفة ذات دلالات رمزيَّة، وقد أقيم في 29 دولة حول العالم 75 متحفًا هولوكوستيًّا، وتنفرد أمريكا بمجموعة متاحف في كل ولاياتها تصل إلى 57 متحفًا، وموقعًا تذكاريًّا. ولا يكفي أحيانًا أنْ يكونَ هناك موقعٌ للزيارة الدائمة، بل قد يصحب ذلك طقوس معيَّنة مثلما يحدث في مزار (ياد فاشيم) التذكاري، الذي أسَّسته إسرائيل في عام 1953؛ ليكون موقعًا رسميًّا يُساق إليه رؤساء الدول، والزوَّار الرسميّون لتكريم ضحايا المحرقة، والانحناء لوضع أكاليل الزهور، كما تتمُّ زيارة الموقع المهيب في اليوم المحدد لتلك الذكرى، يبدأها رئيس البلاد، والوفود الحكوميَّة، ثُمَّ بقية الناس.
وتسخِّر القضيَّة أنواع المطبوعات من كتب، وصحف، ومجلات للحديث عنها، وإثارتها مرَّات، ومرَّات حتَّى لا تغيب عن الأذهان، وتجعل لها مراكز بحثيَّة، وتُشجِّع المؤرِّخين على إجراء دراسات تقدم المزيد من الأدلة مهما صغر شأنها؛ لدعم كل الزوايا، ولا تسمح بثغرة ينفذ من خلالها التشكيك، أو الاعتراض. ثُمَّ يُعزِّز اليهود موقفهم بتعزيز تلك المظلوميَّة، وذلك بالسعي إلى سنِّ القوانين الدوليَّة التي تقطع الطرق أمام المساءلة والتحقق، فلا يكفيها أن تُحرِّم قانونًا أيَّ همسة ضد اليهود، بدعوى العنصريَّة السامية، بل وتمنع أيَّ باحث أن يعبث بعناصر قصَّتها الهولوكوستيَّة مهما كانت حجته قويَّة.
هذه هي الصناعة، وتلك هي صياغتها الفنيَّة، وإلاَّ فمَن مِن الشعوب لا يملك قضيَّة يتظلَّم من أجلها، وهو يئن من آلامها؟ صرخات ملايين اليابانيين، والجزائريين، والعراقيين، والفلسطينيين، وغيرهم ستصمُّ الآذان إلى يوم القيامة، لو أنَّها انطلقت. في داخل أمريكا تمَّ تصميت الهنود الحمر، وتذويب دعاواهم بمقولة: «تجاوزوا التاريخ فقد تجاوزكم»، في حين رفعت واقعة تفجير 11/9 شعارًا يقول: «لن ننسى». وطبَّقت أمريكا فنون الصناعة التي أثبتت نجاحها مع مظلوميَّة المحرقة، أنشأت لمظلوميتها متحفًا وموقعًا تذكاريًّا، ويومًا احتفاليًّا، ثم تولّت المطبوعات والروايات والمسرحيَّات ترسيخها في المخيّلة البشريَّة، وتوالت الأفلام في تكرار وإغراق لتُروِّج للقضيَّة، وتمهّد للمهالك القادمة، وها قد بدأت أمريكا في سن القوانين لتحمي مظلوميّتها، وتُوجد لها جانيها؛ ليتحمَّل الذنب، ويُعوِّض خسائر ضحاياها.
صدق المثل: «من بيده الدواة والقلم لا يكتب نفسه شقيًّا». هذه المظلوميَّات المُصنَّعة ببراعة تُعيد كتابة التاريخ، وتحيل السواد بياضًا تحت أعين المخنوقين، الذين ظُلموا، وما زالوا يُظلمون، لكنَّهم يا حسرة.. لا يُتقنون فنًّا، ولا يُحسنون صُنعًا.
فن صناعة المظلومية
تاريخ النشر: 15 سبتمبر 2016 00:23 KSA
المظلوميَّة ليست مجرَّد تعبير عن جُرم ارتُكب ضدَّ أحد، لكنَّها قضيَّة لمجموعة معيَّنة من البشر يتعرَّضون كجماعة لعداء بشع، يبدأ بالاضطهاد، وينتهي بالإبادة، ولا تكتمل إلاَّ بالتظلُّم الزنَّان الذي لا ي
A A


