Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

لو أنها خُلقت رجلاً

وقفت هيلاري كلينتون يوم الاثنين الماضي كمرشَّحة الحزب الديموقراطي، على منصة المناظرة الرئاسيَّة، مقابل المرشَّح الجمهوريِّ دونالد ترامب، في لحظةٍ تُسجّل تاريخ وصول المرأة الأمريكيَّة لأوَّل مرَّة لهذه

A A
وقفت هيلاري كلينتون يوم الاثنين الماضي كمرشَّحة الحزب الديموقراطي، على منصة المناظرة الرئاسيَّة، مقابل المرشَّح الجمهوريِّ دونالد ترامب، في لحظةٍ تُسجّل تاريخ وصول المرأة الأمريكيَّة لأوَّل مرَّة لهذه المحطة السياسيَّة الحرجة. كان الموقف مليئًا بدلالات التغيير، فقد حققت المرأة الأمريكيَّة أخيرًا نجاحًا غير مسبوق في التاريخ السياسي، ووضعت قدمها على درجة عُليا احتكرها الرجال منذ تأسيس الولايات المتحدة. في أكثر من مرَّة نسي المشاهدون أنَّهم يتابعون تنافسًا حاميًا بين الحزبين لاندماجهم في احتدام التنافس بين رجل وامرأة.
ورغم أن هيلاري كانت تقف كمرشَّحة مؤهَّلة ومحنَّكة ومتمكِّنة، إلاَّ أنَّ عدم الثقة فيها، والتشكيك في قدراتها ظل يحوم حولها، وحين اتَّهمها منافسها بافتقادها للصلابة والقدرة على تحمُّل المهام الرئاسيَّة، فهو قد نطق بما يجول في عقول كثير من الأمريكان. يكتب لاري ووماك في مقاله: «أنتم تعرفون جيدًا لماذا تكرهون هيلاري»، المنشور في الهافنغتون بوست 26/9/2016م: «هذه حقيقتنا: مجتمع مريض، ومدفوع بكراهيَّة المرأة، ويصارع ليتقبَّل فكرة أن النساء لم يُخلقن لرعايتنا فقط، وهيلاري ما كانت ستُقابل بكل هذه الشكوك لو أنَّها خُلقت رجلاً».
حين ظهرت هيلاري على الصعيد السياسي كسيّدة أولى في عهد بيل كلنتون، كانت تحظى بشعبيَّة واسعة لوقوفها بجانب زوجها، ثم ارتفعت أسهمها حين تحمَّلت خياناته الزوجيَّة ولعبت دور المرأة الوفيَّة المتسامحة. ولم تفقد هيلاري حب الأمريكان حين عملت وزيرة خارجيَّة لباراك أوباما، فهو الرجل الأول، وهي في المقعد الخلفي تؤازر وتساند. لكنَّها حين أعلنت عن طموحاتها الخاصَّة وتطلّعاتها إلى أعلى قمة في الهرم السياسي فقد استرجلت، وزحزحت ثقة الناس بها، وراحت تتعرَّض لأقسى الانتقادات من كارهيها، أو ربما كارهي أنوثتها.
وربما يكون الضرب الجارح في المنافس هو الجانب السلبي للعبة الانتخابات، لكن المتأمِّل للأسلوب والنقاط التي يلتقطها الجانب المضاد لهيلاري لا بدَّ أن يسترعي انتباهه أمور مشينة تفضح النظرة العامَّة للمرأة في أمريكا، الدولة التي تمثل أوج الحضارة والديموقراطية والحرية والمساواة. حين نقول إن هيلاري تمثل وصول المرأة لأقرب نقطة من منصب الرئيس لأوَّل مرة في تاريخ أمريكا، فهذا أكبر دليل على تأخُّر أمريكا عن كثير من دول العالم الأول، بل والثالث، التي حكمتها النساء، سواء في منصب رئيس الدولة، أو رئيس وزرائها. حتَّى هذا الوقت من الزمان، لا يبدو أن أمريكا مستعدة تمامًا لتقبُّل رئيسة للبلاد، وكثير من المراقبين للوضع السياسي الأمريكي يقولون إنَّ التردد ناتج عن رأي الناخبين في منافس هيلاري، وأنّه لو لم يكن ترامب هو المرشَّح لما اختيرت هيلاري، وأنَّه لولا هيلاري لما تمكَّن ترامب من حصد كل هذه الأصوات لصالحه.
كامرأة، تعرَّضت هيلاري للسخرية من شكلها، وملابسها، وضعف بنيتها الجسديَّة، بل ومن «صرير» صوتها، ومن ضحكتها «الضبعيَّة»، وحين تفخر بتجربتها يميلون لمنافسها الجاهل؛ ليخلّصهم من احتكار آل كلينتون للحكم، وحين تظهر في قمة استعدادها وتمكُّنها، يقولون إنَّها متصنِّعة، في حين يُوصفْ منافسها الأهوج بالطبيعي، والأصلي، وكأنَّ الرئاسة تتطلب رجلاً شرسًا، ومهاجمًا كرعاة البقر، رجلاً جلفًا لا يتردد في وصف النساء بالكلاب والخنازير، أمَّا المرأة، مهما بلغت براعتها، فالخوف أنَّها ستجعل أمريكا ناعمة وأنثويَّة.
ورد على أجندة هيلاري الانتخابيَّة وعد بإغلاق الفجوة القائمة بين أجور الرجال والنساء في أمريكا، حيث تحصل المرأة على راتب أقل بـ20% من الرجل، وبأكثر من ذلك لو كانت المرأة من الأقليَّات. نقول حظًّا سعيدًا لهيلاري، ولو أن الوضع الخطير الذي وصلت إليه العنصريَّة ضد السود في أمريكا بعد حكم أوباما لا يبشر بالخير.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store