Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الفساد السياسي الأمريكي

تتفاخر أمريكا بأنَّها بلاد الديموقراطيَّة العظمى التي تضمن حريَّات الشعب واختياراته، ولذلك تكرهها الدول المتخلِّفة وتحقد عليها شعوبها المحرومة من حريَّاتها.

A A
تتفاخر أمريكا بأنَّها بلاد الديموقراطيَّة العظمى التي تضمن حريَّات الشعب واختياراته، ولذلك تكرهها الدول المتخلِّفة وتحقد عليها شعوبها المحرومة من حريَّاتها. في قلب هذه الديموقراطيَّة يتمركز نظام الحكم الذي يعمل على تدوير السلطة، فيتغير الرئيس وحكومته كل أربعة أعوام لمرتين فقط، قبل أن يعشش الفساد في المراكز الحكوميَّة. ويجري هذا التغيير بما يتماشى مع رغبة الشعب الذي يختار الرئيس عن طريق الانتخابات الحرَّة.
هذا هو الوجه الناصع للنظام الديموقراطي في أمريكا، لكن حين ننظر إلى التفاصيل فسنرى صورة مغايرة تمامًا. لكي يصل صوت المرشح إلى الناس، فلابد أن يعلن عن رغبته في الترشُّح حتى يبدأ في البحث عن مصادر تُموِّل حملته الانتخابيَّة. يسمح النظام للمرشحين بأن يقبلوا أموالاً من الداعمين، وهم في معظم الأحيان من أصحاب الملايين والبلايين الذين يتحكَّمون في اقتصاد البلد، وهم لا يعطون أموالهم لأحد ما لم ينتظروا شيئًا في المقابل. هذا الدعم الذي يغذي الحملات لابدَّ، وأن يؤثر على سلوكيات المرشَّحين واختياراتهم عندما يتمُّ تنصيبهم، فهم في موقف رد الجميل للأفراد الأثرياء ولكبرى الشركات، وحتَّى لحكومات أجنبيَّة تطالبهم فيما بعد بقرارات داخليَّة وخارجيَّة تخدم مصالحهم.
تدار حملات التبرعات على المكشوف، فالكل يعرف أن المرشح لن يستطيع أن يكسر التزاماته السياسية مع الممولين الذين اشتروا نفوذ منصبه بطريقة واضحة ومباشرة، وينطبق ذلك على انتخاب الحاكم، وممثل الشعب، وعضو الكونجرس. بذلك يتحوّل النظام (الديموقراطي) الذي يعطي صوتًا واحدًا لكلِّ فرد، كما يقول بيرني ساندرز، إلى نظام (أوليغاركي) تتحكَّم من خلاله مجموعة صغيرة من ذوي النفوذ المالي في مصير المجتمع بأكمله. وقد يظنُّ البعضُ أنَّ لعبة التحكُّم المالي تنتهي بمجرد وصول المرشَّح إلى منصبه، لكن الحقيقة أنَّ الرشوات السياسية تستمر، حتَّى أنَّ الكونجرس لا يستطيع أن يصادق على قانون دون موافقة الشركات الكبرى.
تلزم ديموقراطيَّة أمريكا بتغيير الرئيس وحكومته كلَّ أربع سنوات؛ منعًا للتغلغل في السلطة، لكن الرئيس لا يملك إلاَّ القليل من السلطات، ولذلك لا يمكنه الوفاء بالوعود التي يقطعها على نفسه أمام الناخبين. خلف الحكومة الظاهرة تكمن الحكومة الخفيَّة التي تبقي الرواسخ السياسيَّة في مكانها، فأمريكا هي أمريكا، مهما تبدَّل رؤساؤها وحكوماتهم. نفس النظام الذي يحتم تغيير الرئيس يسمح لأعضاء مجلس الشيوخ، ولأعضاء مجلس النواب -بموجب الدستور- أن يخدموا عددًا غير محدود من المدد، تبقيهم في المجلس إلى نهاية حياتهم، ورغم ذلك يقول عضو الكونجرس الذي احتفظ بمقعده منذ إدارة أيزنهاور، جون د. دينجل، عند تقاعده: «حكومتنا معروضة دائمًا للبيع».
في كل عام تصدر جماعة «مواطنون من أجل المسؤوليَّة والأخلاق في واشنطن (CREW)» قائمة بأعضاء الكونجرس الأكثر فسادًا، والذين يرتكبون أشكالاً مختلفة من الفساد، كالحصول على تمويل الانتخابات من مصادر غير مشروعة، وغسيل الأموال، والتهرّب من دفع الضرائب، وتحويل أموال الحملة الانتخابيَّة للحسابات الخاصة، وسوء استخدام السلطة بسبل غير قانونيَّة، وجمع المساهمات بالإكراه، والإدلاء ببيانات كاذبة في الإفصاح عن الذمة الماليَّة.
ومن أمثلة ذلك الفساد استقالة عضو الكونجرس راندي كننجهام في عام 2005، بعد أن ثبتت عليه تهمة الرشوة، لمحاولته بيع عقود من وزارة الدفاع، وإدانة عضو الكونجرس شاكا فتاح في 2016 بتهمة الاشتراك في عمليات الابتزاز، وغسل الأموال، ثم تأتي فضيحة «أبسكام» تلك العمليَّة البوليسيَّة السريَّة الصادمة التي طالت عددًا من أعضاء مجلس النواب الأمريكي (الكونجرس) في أوائل الثمانينيَّات. وما هذا إلاَّ غيض من فيض من قبح الوجه الآخر للديموقراطيَّة الأمريكيَّة، التي لا تستطيع السير إلاَّ على أقدام الرأسماليَّة المتوحشة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store