لم يكن من المتوقع أن يصل دونالد ترامب إلى نهائيات السباق الانتخابي الديموقراطي، فهو رجل فظ تعوزه الخبرة في إدارة الشأن السياسي، وقد كوّن ثروته الفاحشة التي يفاخر بها من سوق العقارات. لم يؤخذ ترامب على محمل الجد، لكن الرجل ظل يتقدم ويحصد الأصوات رغم كل الكبوات التي مُنيت بها حملته الانتخابية نتيجة لتصريحاته المخزية وهجومه على المهاجرين من كل الأصول ووصمهم بالإرهاب، ثم لدفاعه عن اعتداء البوليس على جماعات السود من الأمريكان، بل وقتلهم.
يتحرك ترامب تحت شعار «سنعيد لأمريكا عظمتها»، ليلامس مشاعر الكثير من الأمريكان الذي يعرفون أن أمريكا اليوم قد فقدت الكثير من تلك العظمة، فقد تراجع الإيمان بالحلم الأمريكي وبالدستور المحرّف، وأصبحت أمريكا بحاجة إلى إصلاحات كبرى وثورة في التعليم ومختلف المهارات لخلق وظائف ذات مردود مجزي. ورغم هذا فإن مفكري وأساتذة علم الاجتماع والنفس يتأملون هذه الظاهرة الترامبية محاولين أن يجدوا تفسيراً لشعبوية هذا الشخص الغريب، ورجّحوا أن الشعب قد فقد إيمانه وثقته في رجال السياسة المُحنّـكين في العالم الغربي. ولربما يأتي اختيار الرجل الأبيض في هذه المرحلة إلى التحسب من أن موجة المساواة وحقوق الإنسان المبالغ بها في أمريكا ستحرص، كما يقول المخرج الأمريكي مايكل مور، على أن تأتي بعد الرجل الأسود امرأة بيضاء، ثم امرأة سوداء، ثم رجل مثليّ وبعده امرأة مثليّة، ثم متحوّل جنسياً، ثم.. وهكذا، فلابد من اختراق التسلسل وإلا ضاعت فرص الرجل الأبيض إلى نصف قرن من الزمان.
أما هيلاري كلينتون، فهي قادمة للانتخابات من منصب وزيرة خارجية سابقة، وقد جمعت خلال سنوات عملها سجلا حافلا بالأخطاء، وعرف عنها أنها مشاركة في تدبير عمليات الهدم والتخريب في العراق وأفغانستان وسوريا، وفي رسم الخطط والدسائس في ليبيا، ثم لاحقتها قضية استخدام بريدها الشخصي في المراسلات الرسمية والتي انسلت منها كالشعرة من العجين. فقدت هيلاري مصداقيتها حين أدرك الناس أنها مستعدة لقول أي شيء من أجل أن يتم انتخابها، وأنها متذبذبة وغير متمسكة بأي مبادئ. لكن ترامب هو البديل، لذلك فقط يتقبلونها.
يجسد ترامب روح الأنانية ويحمل ملامح العنصرية والعنجهية وقذارة اللسان، وتمثل هيلاري روح الأنانية والكذب والخداع والوصولية، في المناظرات تهاجم منافسها قائلة: «أنت غير مؤهل لدخول البيت الأبيض»، فيرد عليها: «سأدخله وبعدها سأدخلك السجن». تواجهه بالتسجيل الفاضح الذي يحقّر فيه النساء ويكشف بذاءاته الجنسية، فيرد بأنه نادم على أقواله، لكن أفعال زوجها الرئيس السابق كلينتون هي أسوأ بكثير، فتهبط المناظرات بينهما إلى أدنى مستوياتها. يقول الكاتب البريطاني آليستر هيث: «أنا أحب أمريكا، لكنني سعيد لأني لست مواطناً أمريكياً لكيلا اضطر للاختيار بين مرشحين فظيعين». (التيليغراف).
ويتفق الكثيرون على أن هيلاري وترامب كلاهما معيوب، وكونهما الاختيار المتاح أمام الكتل التصويتية لا يعني أن أياً منهما اختيار صائب لموقع القيادة العليا للدولة. يحتار الناخب الأمريكي أمام هذه المنافسة الرئاسية بين مرشحين لا يتمايزان إلا بالنسبة الأقل من السوء، ويشعر أن اختياره المُحبَط يضع مفهوم الديموقراطية على المحك.
كيف تترك أمريكا قيادتها في أيدي غير آمنة وملوثة بالفساد ومنحطة الأخلاق؟ السبب هو أن أمريكا لا يحكمها هؤلاء الدمى حقيقةً، بل إن الحكام الحقيقيين يقفون في الخلف ويديرون البلاد مهما تغيرت واجهتها. من خلال الاختيار المأساوي بين الرديء والأردأ يتضح أن الديموقراطية لا تعني حكم الشعب، بل هي ما يتم تقديمه للشعب لكي يتلهى به عن حقيقة ما يدور خلف الكواليس.
الانتخاب الأمريكي الحر بين الرديء والأردأ
تاريخ النشر: 20 أكتوبر 2016 00:40 KSA
لم يكن من المتوقع أن يصل دونالد ترامب إلى نهائيات السباق الانتخابي الديموقراطي، فهو رجل فظ تعوزه الخبرة في إدارة الشأن السياسي، وقد كوّن ثروته الفاحشة التي يفاخر بها من سوق العقارات.
A A


