أحبَّ الكاتب حائل من جبال وأودية وسهول وصحاري، حيث تردد منذ أكثر من عقدين من الزمن على حائل فلم يجد من أهلها إلا البرّ والخلق الحسن، وقد ألّف كتاب (حاتم الطائي وثقافة عصره)، كما أفرد الكاتب كتابًا موثقًا في تاريخ حائل ومواقعها الأثرية والسياحية (حائل.. بصمات التاريخ، السياحة، المستقبل) -تحت الطبع-،وقد فوجئ بأن كل ما في حائل مواقع تاريخية تقريبًا بما في ذلك الجبال، حيث إن من المواقع الأثرية جبل «الجلدية»، كان يسمى جِلذي و جِلذية، والجِلْذَاءَةُ والجَلْذَأَة، يقع شرقي حائل، ويبلغ ارتفاعه 1107 أمتار تقريبًا، ويعتبر هذا الجبل من أهم المواقع الأثرية في حائل حيث تحتوي صخوره عددًا من النقوش الثمودية القديمة ورسومات وأشكال مختلفة لصور آدمية وحيوانية تعود لما قبل الميلاد، ومن بينها الجمال التي جسدت على واجهة الحجر وفق أسلوب النحت الغائر، وبأحجامها الطبيعية، ومن بين الحيوانات المصورة تظهر رسمة لحصان أبدع الرسام في رسمها مبرزًا منظور التناسب والحركة والتفاصيل التشريحية لجسد الحصان، بالإضافة إلى الوعول ذات القرون الطويلة والمعقوفة من الخلف، كما توجد رسمة لفارس يصوب رمحه نحو طائري نعام، فهذه الرسوم الصخرية قد تميزت في أغلب الأحيان بمحاكاة الطبيعة، و تثبت عمق وتنوع الحضارة لهذه المنطقة، وقد ذكر هذا الجبل عددٌ من المؤرخين والجغرافيين، يقول أبو علي الهجري واصفًا ما حول موضع فيد: «ثم يلي هذه الجبال جبلان يقال لأحدهما جانين، وللآخر جلذي ‪)‬جلذية)، وذكر البكري في معجمه: «أن جلذية اسمٌ لرابية، والرابية كل ما ارتفع من الأَرض وربا، كما مرّ بالجبل ووصفه كثير من المستشرقين، منهم: داوتي، وهوبر، والليدي آن بلنت، وموسيل، والمستشرقان الفرنسيان تشارلز هوبر والألماني يوليوس أويتنج هما أول من زارا موقع الجلدية من الرحالة الأجانب، وذلك خلال رحلتهما إلى شمال الجزيرة العربية بين عامي 1301 و 1302هـ / 1884 و 1885م، وقد قدّم أويتنج رسومات رائعة لجبل جلدية، وبعد تشييد درب زبيدة في العصر العباسي، كان الحجاج السالكين لهذا الدرب، يمرون من شرقي جبل الجلدية الذي يظهر منفردًا وواضحًا من مسافات بعيدة، كما جاء ذكر جبل جلدية في الشعر قديمًا حيث يقول عبدالعزيز بن رزازة الكلابي:
رحلنا من الوعساء وعساء ملك
لحين وكنا عندها بنعيم
فما لبَّثتنا العيس أن قذفت بنا
لذي غربة والعهدُ غير قديم
فأصبحن قد ودّعن نجدًا وأهلَهُ
وما عهد نجد عندنا بذميم
فـلَـمَّا بـدت جلـديَّةٌ من أمـامـنا
وفتك وجـاوزنـا بـلاد تمـيم
فمثل هذه المواقع الأثرية، بالإضافة إلى الطبيعة الساحرة من جبال وأودية، وتكوينات صخرية رائعة، وما تبقى من آثار درب زبيدة من برك وأعلام وحصون وغيرها، تجعل حائل منطقة سياحية بدون أي شكّ.