لا تبتئسوا.. فالعالم في غرفة الملابس، يغير ملابسه لمشهد جديد..
المثير، واللافت هذه المرة، أن غرفة الملابس أصبحت عندنا، هنا في الشرق الأوسط، وأن أبطال الأدوار الرئيسية،جلهم عندنا هنا يستعدون لمشاهد جديدة، لا أعلم على وجه الدقة إن كان يكتبها التاريخ، أو تكتبه هي.
ما يجري الآن على مسرح الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، هو عملية تهيئة المسرح لفصل جديد، ربما تظهر معه وجوه جديدة،تطل هذه المرة من واشنطن. لعل السيدة كلينتون تكون صاحبة الإطلالة الجديدة على المسرح الدولي، بعد أداء صاخب في حملة الانتخابات الرئاسية، أمام منافس من طراز فريد، هو الملياردير دونالد ترامب.
ما يجري من مشاهد مجنونة على مسرح الشرق الأوسط، ربما ألهم مسرح الانتخابات الرئاسية الأمريكية، مستوى غير مسبوق من الجنون، فلأول مرة تصل امرأة الى آخر مراحل السباق الرئاسي، وبينما يبدو طبيعياً ومتسقاً مع المنطق، أن تكون المرشحة الأولى للرئاسة الأمريكية ، ديموقراطية، فإن وجود ترامب كمرشح عن الحزب الجمهوري، يبدو غير منطقي على الإطلاق،، فالرجل قد انشق مراراً عن الجمهوريين في مسيرته السياسية، بل وأعلن تأييده لمرشحين ديموقراطيين في السابق، ثم إنه لأول مرة يبدو وكأنما جرى اغتصاب المنصة الجمهورية، من قبل مرشح لا يدين بالولاء للجمهوريين إلا بمقدار ما يساعدونه على الفوز برئاسة الولايات المتحدة.
المشهد المضطرب في الشرق الأوسط، لا يوازيه سوى اضطراب المشهد في الولايات المتحدة ذاتها، بعد إعلان ترامب في مناظرة أخيرة أمام منافسته هيلاري كلينتون، أنه قد لا يعترف بالهزيمة، حال فوز منافسته بالرئاسة،الأمر الذي قد ينتج عنه حال حدوثه، اضطراب عند قمة القرار الأمريكي، بكل انعكاسات ذلك على الوضع الدولي والإقليمي المضطرب أصلاً.
المرحلة التي تجتازها أزمات الإقليم الآن، هي تلك اللحظات التي يجري خلالها تغيير الديكور على المسرح استعداداً لفصل جديد، يرتفع عنه الستار بعد قليل،
بعض مخرجي العروض المسرحية، يفضّل تغيير الديكور، في فترات الاستراحة، خلف ستار منسدل، وبعض المخرجين، يفضّل تغيير المشاهد في الظلام، أو هكذا تستدعي سرعة إيقاع المشاهد وتراتبيتها أحياناً، بينما يميل بعض المخرجين الحداثيين الى تغيير الديكور والمشاهد أمام أعين الجمهور.. ما يجري في منطقتنا الآن هو خليط من المدارس الثلاثة كلها
معركة الموصل، في أحد تجلياتها، هي لحظة تغيير الديكور وربما الملابس، استعداداً لمشهد ما بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية.
الآخرون يريدون إنشاء وقائع وإحداثيات جديدة على المسرح الإقليمي، فيما يبدو الرئيس الأمريكي المغادر أوباما، مغلول اليدين قبل أسبوعين فقط من الانتخابات الرئاسية التي ستقرر من يخلفه في المكتب البيضاوي، بينما يريد أوباما أن يغادر منصبه، وقد أضاف الى تاريخه حرباً وموقعة ينتحل فيها انتصاراً لم يصنعه، وحرباً لم يخضها.
معركة الموصل، هي حرب أوباما الأخيرة، لكنها حرب شبح يواجه أشباحاً، فالذين يرصدون معارك الحرب، لا يمكنهم رؤية الدواعش، الذين اختفوا بغتة، تماماً كما جاءوا بغتة، لم نر قتلاهم ولا أسراهم،لكننا سمعنا طول الوقت، من يحذر من تركهم يغادرون العراق الى سوريا حيث يجري نصب مسرح آخر وسيرك جديد.
سنوات الفوران في الشرق الأوسط، ربما قاربت نهايتها، بفعل إنهاك أصاب الجميع داخل الإقليم وخارجه،المشهد في العراق، يتأهب لفصل جديد، نأمل أن يكون أقل دموية من سابقيه، والمشهد في سوريا يتأهب هو كذلك لفصل جديد، سيكتب سيناريوهاته غالباً النزيل الجديد في البيت الأبيض، والذي قد يكون على الأرجح السيدة هيلاري، بكل ما تمثله من استمرارية سلفها أوباما، ومن تجارب زوجها الرئيس الأسبق كلينتون، من التدخل في البلقان،عند نقاط تماس بالغة الحرج آنذاك مع روسيا( يلتسين)
أما المشهد في اليمن، فقد دخل طور التهدئة، لكنه ما زال مرشحاً للتصعيد مجدداً، بتأثير نتائج الصراع في سوريا.
أبرز المتغيرات في المشهد الإقليمي، بين فصل يغادر، وفصل آخر مازال أبطاله في غرف الملابس،وقاعاته في غرف الديكور، هو أن الأطراف كافة، دوليين وإقليميين، ومحليين، قد أصابتهم سنوات الإنهاك بمزيد من الحكمة، فباتوا أكثر استعداداً لإدراك أنه لا مجال لنصر حاسم بالضربة القاضية، أو بلمس الأكتاف في صراعات وحروب الألفية الثالثة، وأن مهمة السلاح، هي رصف الطريق الى « ويستفاليا شرق أوسطية» يهبط معها كافة الأطراف الى أرض الواقع، فيعودون الى احترام مبادىء حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم مشروعية التدخل في شؤون الغير.
لحظة التنوير في المسرحية ، هي تلك التي تلامس فيها أقدام الأبطال أرض الواقع، فيهبط السلام على الأرض، وتعود شعوب المنطقة، الى محاولة إعادة إنتاج الماضي كما اعتادت طوال تاريخها.. فمشكلة الشرق الأوسط الحقيقية، هي أن شعوبه، تستدعي الماضي دوماً من أجل إدارة المستقبل.
ليس العرب وحدهم من يفعلون ذلك الآن، بل يفعله الفرس والترك، والقياصرة الروس أيضاً.
أطفئوا الأنوار.. العالم في غرفة ملابسنا
تاريخ النشر: 21 أكتوبر 2016 00:11 KSA
لا تبتئسوا.. فالعالم في غرفة الملابس، يغير ملابسه لمشهد جديد..
A A


