تترك البيت وحضن الأسرة لتغرد خارج السرب.. وتطغى رغبتها في أن تعيش حياة حرة بدون قيود وأعراف، بعيدا عن المنطق والعقل.. لتجد نفسها في نهاية المطاف، إما طريدة تتقاذفها رياح الضياع، أو حبيسة في قبضة الشيطان.. هذا ما يحدث لبعض الفتيات الهاربات من أسرهن، ومع اختلاف أسبابهن، أو الوسائل المتبعة لهروبهن، يظل هذا السلوك هو الأغرب والأكثر استهجانا على مجتمعنا المحافظ، الذي يختص الفتاة بمكانة مميزة بين مكوناته.
مئات الحالات تم رصدها لهروب فتيات في إحصاء وزارة العمل والتنمية الاجتماعية عن العام الماضي، وهو ما طرح تساؤلا حول حجم تلك الحوادث، وهل وصل إلى حد الظاهرة أم لم يزل بعد في حدود الحالات الفردية؟ إلا أن المختصين رأوا في الحالتين مشكلة تورق المجتمع وتشعره بالخطر.
وفي دراسة أعدها الباحث والمختص في علم الجريمة د.فهد الزهراني، أوضحت النتائج أن النسبة الأكبر من الهاربات كانت من المراهقات، حيث سُجلت أعمارهن بين 16-25 سنة، بنسبة 51%، كما بينت الدراسة أن أغلبهن من ذوي مؤهلات محدودة، ويتصفن بالاندفاعية والتهور.
«المدينة» حاولت رصد آراء المختصين حول تلك القضية وأسبابها، وكيف يجب أن يتحرك المجتمع لمنع انتشارها.
اختصاصي نفسي: هروب الفتيات نتاج نمط سلوكي صدر إلينا من الخارج
يقول د.سهيل خان، استشاري الطب النفسي في مستشفى الصحة النفسية بجدة، أن الوقائع التي حدثت في الآونة الأخيرة كهروب بعض الفتيات ماهي إلا نتاج للنمط والسلوك، الذي تصدر لمجتمعنا من الحضارة والتطور، التي شملت كل مناحي الحياة، وبالتالي أصبح هناك تقارب بين أنماط الحياة في كل العالم لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح هناك تشابه في السلوكيات العامة لجوانب من الحياة لدينا وماهي عليه في الغرب، وللأسف كثير من الشباب والمراهقين بدأوا يلتقطون بعض العادات المغايرة لمجتمعنا كالخروج عن الأسرة وترك البيت، وكما نعلم أن المراهقين والشباب يمرون بتغيرات هرمونية وهذا يولد لديهم نوعا من الاندفاعية والحماس والمجازفة، وهذا كله يأتي بسبب قلة الخبرة والنظرة الشاملة لمفهوم الحياة، وقد لا نستنكر إن كان نتاج هذا الحماس خروج الابن، فالموضوع عندئذ لا يأخذ الحيز الكبير، كما لو كانت الخارجة من الأسرة «فتاة»، لأن المجتمع لم يتعود على خروج الفتيات من منازل ورعاية أهلهن.
ويضيف د.سهيل: إن ما نشاهده اليوم يعرفه الطب النفسي بأنه اضطراب الشخصية الحدية، ومن أعراضه الميل للاندفاعية وتأرجح المزاج وعدم ثبات الهدف عندهم مع عدم وضوع أهدافهم المستقبلية بعيدة المدى وغياب التخطيط ودائما هؤلاء الأفراد نظرتهم لحل المشكلة تكون متركزة في الآنية (الآن)، وبالتالي تجد حلولهم صادمة كالهروب من المنزل أو السفر لخارج البلاد، وقد شاهدنا خروج شباب لمناطق الصراع في غياب عن دراية الأهل، وبالمقابل خروج فتيات من أسرهم والسفر لدول خارجية، وهذا يكون بسبب قصورهم في التعامل مع الضغوطات واللجوء للحلول السريعة للوصول للسعادة الوقتية ونشوة الهدف السريع، وهذا هو الذي يجعلهم يتخطون إحساس القلق والخوف والحذر الغريزي لدى الكل عند الإقدام على أي شي جديد، ونتائج هذه المجازفات هي التي في الغالب تعيدهم لجادة الصواب لأنها تكون قاسية.
باحث أكاديمي: مشكلة خطيرة تنبئ بوجود خلل أسري
د.فهد علي الزهراني، أستاذ علم الجريمة وباحث اجتماعي، وله دراسة سابقة في مشكلة هروب الفتيات، يرى أن هروب الفتيات مشكلة اجتماعية خطيرة تنبئ عن خلل اجتماعي أسري وهذه المشكلة لها أسبابها النفسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية المتعددة، وهي تعتبر دخيلة وغريبة على مجتمعنا.. للأسباب لا يمكن تجاهلها، منها الانفتاح الثقافي – ووسائل التواصل الاجتماعي – البث الفضائي ضعاف العلاقات الأسرية وعجزها أدت إلى ظهور بعض الانحرافات السلوكية بين الفتيات.. فدائما ما يسبق الهروب من المنزل تغيب معنوي داخل الأسرة، ويجب أن نفرق بين الهروب والتغيب، فهروب الفتيات هو الفرار من السلطة أو المنزل أو غيره دون إذن أهلها أو علمهم، ومن ثم قيام أحد أفراد أسرتها بإبلاغ الجهات المختصة عن هروبها.. التغيب: عدم التواجد في مكان معين لفترة معينة، وتعمد التغيب دون إعطاء أي معلومة عن مكانها.. ويعتبر هروب الفتاة سلوك متعلم يتم تعلمه من خلال القدوة أثناء الملاحظة، وأن هنالك ارتباطا بين نظريات التعلم وتفسيرات مشكلة الهروب لدى الفتيات، حيث يتم تعلم السلوكيات المنحرفة والخاطئة من الوسط الاجتماعي المحيط بالفتاة إلى نهاية مؤلمة، .. وهذا يحدث بسبب العوامل والأسباب الاجتماعية والبيئية المتغيرة من الضغوط النفسية والأسرية في ظل غياب الحب والحنان بين أفراد الأسرة، وفي ظل القسوة واستخدام وسائل غير تربوية والتفرقة في التعامل مع الفتاة بين البنين والبنات، مما يجعلهن يملن نحو العدوان، وذلك بتدمير هذه النفس بالقيام بالسلوك المنحرف والهروب والتغيب من المنزل بقصد إلحاق الضرر بالأسرة وإشعارها بالذنب أو لشد الاهتمام إليها.
ضغوط نفسية وأسرية تؤدي للانحراف
ويضيف د.الزهراني: تشكل الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية دافعًا قويًا إلى انحراف الفتيات وهروبهن وتغيبهن من المنزل، حيث تتفاعل هذه الضغوط مع عوامل أخرى من داخل الأسرة أو خارجها، ومنها عدم وجود فرص للتحقيق الذات لدى الفتيات في المجتمع أو داخل الأسرة، وافتقاد القيم الأخلاقية داخل الأسرة في تعاملهم مع الأبناء ومع الأقارب المحيطين مثل قيم الاحترام والتقدير للآخرين وقيم النجاح والمسؤولية والحب والصدق والخوف من الله في السر والعلانية. ومن خلال الدراسات تبين أن دوافع رئيسية للهروب هي الرغبة في الافلات من المضايقات والشعور بالظلم والفقر والفراغ، وهذا يعكس سوء العلاقة بين الفتاة التي تلجأ إلى الهروب والبيئة الأسرية التي تعيش بها. وأوضح الدكتور الزهراني أن الوقاية والعلاج تكمن في وضع بعض الآليات:
• الاعتراف بالمشكلة وحجمها
• تكثيف البرامج المتخصصة والمستهدفة
• التوسع في المراكز المتخصصة ومراكز الأحياء المدعومة بالمختصين في الإرشاد النفسي والاجتماعي
• دعم المدارس والجامعات بالمختصين في العلوم النفسية والاجتماعية
• تشديد العقوبة على المغررين بالفتيات أو من يحرضهن على الهروب
• تكثيف التوعية وإقامة البرامج والدورات المناسبة في المهارات الحياتية للفتاة
اختصاصي اجتماعي: نشهد تغيرا اجتماعيا أوجد بعض السلوكيات السلبية
يوضح د.عبدالله الشعلان، أستاذ علم الاجتماع والجريمة المساعد بكلية الأمير محمد الأمنية، أن الإحصائيات التي تشير إلى نسبة هروب الفتيات لا تشكل نتائجها ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة، إلا أنه وبدون شك تعتبر سلوكا بات مقلقا في المجتمع، لأنها تبين مدى الرغبة في التحرر من الأسرة والخروج عن إطارها، وهذا أمر في غاية الخطورة، إلا أن هذا لا يأتي إلا بسبب العنف، الذي يمكن أن تتعرض له الفتاة، أو الإهمال أو المشكلات الزوجية والأسرية المستمرة، وهذا يدل دلالة واضحة على أننا في وضع انتقالي وتغير اجتماعي والذي ترافق معه ظهور بعض السلوكيات والمظاهر السلبية، وهذا يتوجب علينا كأسر أن نغير نمط التربية والتي لاتزال عند الكثيرين منا تعتمد على الأساليب النمطية القديمة كالتوبيخ والحرمان والتعنيف اللفظي والجسدي في غياب تام عن الحوار، وهذا مكمن الخلل في ظل انفتاح التواصل مع أي شخص في العالم وفي غفلة من الأسرة، الأمر الذي يتوجب علينا إعادة النظر في أسلوب التربية، وأن يكون معتمدا بشكل أساسي على الحوار والتواصل واحترام وجهة نظر الشاب والفتاة، حتى إن استفزتنا أو اختلفنا معها، وعلينا أن نصل إلى حلول وسطية ترضي جميع الأطراف في الأسرة، ولا تنفر طرفا من آخر حتى لا نقع في مشكلة المغادرة أو ترك المنزل هروبا من أسلوب فرض الرأي والقمع، كما أن تنمية العاطفة والثقة أمر في غاية الأهمية لبناء علاقة أسرية قوية وخلق نوع من التوازن، فالنقاش والحوار والحب وتقبل أفكار الشباب هي ما يمكن ان تعيد ترميم كثير من التصدعات، التي حدثت في كثير من الأسر التي لا تزال تستخدم الأساليب التقليدية في التربية في غياب عن كل مناحي الحياة، بينما تلك الأساليب قد تغيرت وتطورت ولابد أن نواكبها حتى لا نخلق فجوة تنتج لنا مثل هذه السلوكيات السلبية، والتي تعتبر أضرارها الاجتماعية كبيرة وتنخر في كيان النسيج الاجتماعي لدينا.
سبل مواجهة المتغيرات الاجتماعية
• إعادة النظر في أساليب التربية التقليدية
• اعتماد الحوار والتواصل واحترام وجهة نظر الأبناء
• احتواء الفتيات والتوصل لحلول وسط ترضيها مع الأسرة
• تنمية العاطفة والثقة وخلق توازن بين أفراد الأسرة
حقوقي: جبروت الأهل وقمع الفتيات أهم دوافع الهروب
يرى صالح الغامدي، مدير الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، والمدير السابق لدار الحماية بجدة، أن هروب الفتيات وما ظهر مؤخرا لحالات يمكن أن تعتبر ظاهرة، ولكنها ليست مشكلة، حيث إن العدد لا يزال قليلا، وبالنظر لأسباب الهروب فيمكن أن يكون إما لجبروت الأهل وتعصبهم وعدم إعطاء الفتاة حقها وحريتها في اختيار الدراسة أو الزوج، وغالبا ما تجبر الفتيات على الزواج وهنا تلجأ للهروب اعتقادا منها أنه هو الحل، أما الهروب الخارجي بالسفر ففي اعتقادي أنه جديد علينا و ليس بالشرط أن يكون بسبب أسرة أو بسبب تحريض أفراد.
أما التصدي لهذه الظاهرة يمكن أن يكون بخصوص الهروب الداخلي هو إعطاء الفتاة حقها، كما أمرنا به الدين الحنيف في اختيار الزوج وعدم غصبها على ذلك، واحتواء الفتاة والنقاش الدائم معها واحترام رأيها، وكذلك توعية الأسرة بأساليب التربية السليمة، أما ما بدأ يظهر على السطح في مجتمعنا فيما يخص الهروب الخارجي والسفر فالتصدي له من خلال القانون بسفر المرأة بإذن وحضور محرمها أو مرافقته، ومن خلال تجربتي فإن المجتمع هو المسؤول الثاني بعد الأسرة في التصدي لهذه المشكلة.
كيفية معالجة الظاهرة:
• إعطاء الفتاة حقها كما أمرنا به الدين الحنيف
• احتواء الفتاة والنقاش الدائم معها واحترام رأيها
• توعية الأسرة بأساليب التربية السليمة
فتيات يروين قصص هروبهن
فقدت السلام في أسرتها فهربت مع شاب من طوارئ المستشفى
منال عبدالله فتاة تبلغ من العمر 19 عاما تدرس بالسنة الأخيرة في الثانوية العامة، كانت تعيش مع والديها إلا أن حياتها كانت أشبه بفيلم رعب، لكثرة الخلافات التي تحدث بين والديها وتصل أحيانا للضرب والتعنيف، ولم تكن تعيش في جو أسري هادئ مع أخوتها الثلاثة، مما دفعها إلى الانخراط في مواقع التواصل الاجتماعي والبحث عن عالم أكثر سلاما وحنانا من واقعها الذي تعيشه، وهذا أدى إلى أنها تعرفت على أحد الشباب العربي، وكان يسمع لها وتشكو له كل همومها، إلى أن تولدت علاقة حب بينهما، ولأنها تدرك تماما مدى صعوبة والدها وشدته لم تبح بهذا الأمر لأحد من عائلتها، وبعد فترة طلب منها الشاب أن تهرب معه لتستطيع أن تفرض رغبتها أمام والديها فيقبلون بالزواج، ولم تكن تدرك الفتاة على حد قولها أن زواج السعودية من غير سعودي يتطلب إجراءات طويلة، فهي تقول: كنت بريئة وخبرتي قليلة، إلا أن تعلقي بالشاب الذي كان ملاذا قويا لي في أوقات صعبة كنت أعيشها يوميا في أسرتي هو ما جعله يؤثر علي بشكل قوي، وتضيف: هربت بعد أن خططت للأمر معه وبالفعل في ليلة ادعيت أني أشعر بمغص في الزايدة وذهبت للمستشفى مع والدي، وكنت مسبقا قد نسقت مع الشاب أن يحضر للمستشفى في مواقف الطوارئ، وبالفعل دخلت وأخذت الممرضة حرارتي وأعطتني ورقة بالانتظار وجلس أبي في انتظار الرجال وأنا في انتظار النساء واستغللت انشغاله لأخرج من باب الطوارئ وهربت مع الشاب، وبعد فترة من العيش معه لمدة ثلاثة أشهر علمت مدى فداحة الأمر وصعوبة أن نتزوج أو أن يسامح المجتمع ما قمت به، وبدأت حالتي النفسية تسوء وأتعاطى مهدئات لأستطيع النوم، ودبت المشكلات بيني وبين الشاب، الذي كنت أعتقد أنه هو الملاذ إلى درجة أنه طردني، وبعد أن أصبحت الشارع لم يكن لى ملاذا إلا أن أسلم نفسي للشرطة، ولكن بشرط أن أطلب الحماية ليقيني أن والدي لن يسامح ولن يتقبلني بعد ماحدث، وتضيف: أنا لست فتاة سيئة، لكن بيتنا تحول لجحيم لا يطاق في غياب المحبة والحوار وتلمس احتياجاتي التي للأسف منحني إياها هذا الغريب.
هربت من إهانة أخوتها إلى صديقتها.. وتسعى للاستقلال بحياتها
صالحة محمد (25 سنة) فتاة لم يكن حظها جيدا في التعليم، تعثرت أكثر من مرة، مما اضطر إخوتها أن يجلسوها في البيت، خاصة أن والدها متوفى، وتقول: عشت فراغا لا يعلم به إلا الله، وكان إخوتي كثيري الإهانة لي، ولا يوجد تقدير لكياني كفتاة أو حتى مشاركتي في أبسط الحقوق، وفي كل مرة يهددوني بتزويجي لأول شخص يطلبني، وفي ظل ضعف أمي وقلة حيلتها، رفضت الواقع الذي أعيشه، وهربت من منزلنا إلى بيت صديقة، كنت قد تعرفت عليها في أحد الأماكن العامة، وجلست عندها دون أن أفكر في العودة إلى ظلم أخوتي واستبدادهم، وإلى الآن لم أتمكن من العمل خوفا من أن يجدني أخوتي ويعيدوني للحياة السابقة، في حين أني أرغب في العمل لأعيل نفسي وأعيش حياة كريمة، إلا أن الأمر يصعب علي يوما بعد يوم.
حالات هروب للخارج:
7 /11 /2014
هروب فتاة سعودية إلى اليمن بعد رحلة طويلة بسبب رفض أهلها زواجها
14 /7 /2016
هروب فتاة سعودية قاصر من أسرتها إلى جورجيا خلال رحلة سياحية في تركيا، بعد أن أخذت معها جواز السفر والتليفون المحمول
12 /8 /2016
هروب 3 نساء سعوديات يرافقهن 7 أطفال من السعودية إلى لبنان، بعد أن استخدمن كلمات السر الخاصة بأزواجهن في نظام «أبشر»
6 /10 /2016
هروب فتاتين جامعيتين سعوديتين إحداهما تبلغ 22 عامًا، والأخرى 20 عامًا إلى كوريا الجنوبية بالتحايل على نظام أبشر لإصدار التأشيرات


