Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

موسم المعارض العربية 2017.. أسئلة الحاجات والضرورات

كثيرًا ما ننسى بعض البديهيات، وهي أن المعرض حدث مهم، بل واستثنائي لأنه يحدث مرة واحدة ويتيمة في السنة، ويستجيب في النهاية لحاجة ثقافية ومجتمعية، بغض النظر على جانبه التجاري المشروع الذي يغطي نقصًا كبي

A A
كثيرًا ما ننسى بعض البديهيات، وهي أن المعرض حدث مهم، بل واستثنائي لأنه يحدث مرة واحدة ويتيمة في السنة، ويستجيب في النهاية لحاجة ثقافية ومجتمعية، بغض النظر على جانبه التجاري المشروع الذي يغطي نقصًا كبيرًا في مسألة تسويق الكتاب ويفتح أمامه أبوابًا ما تزال -عربيًا- مغلقة، لأن المشكلة الكبيرة هي أن الكتاب العربي لا يُسوَّق ويبقى مركونًا في البلد الذي نُشر فيه، وربما في المدينة التي قامت بطباعته، لهذا لا نستغرب من الناشر الذي يطبع عددًا من النسخ يتأرجح بين الخمسمئة والألف نسخة، في الحالات العادية، الغريب أن هذا يحدث في حضرة حصيلة سكانية كثيفة في مجموعة بشرية يتجاوز تعداد سكانها 300 مليون؟ فهل يُعقل؟، وهل نقبل بسهولة بأمرٍ مهين كهذا؟ من هنا يمكن فهم رؤية البيست سيلر، عربيًا ضربًا من الخيال، لأن هذا الأخير ينبني على فعل التسويق الغائب بشكل شبه كلي عن ثقافتنا، ومع ذلك مهما كانت النقائص فللمعرض جانبه الثقافي المميز، يُقدِّم الناشرون منتجًا ثقافيًا جديدًا عليه أن يكون مقنعًا ليصل إلى قلب القاريء المنتظر، في ظل الاشتراطات التقنية والثقافية الجديدة والحاجات الاستهلاكية، لم يعد القاريء يأتي إلى المعرض بشكلٍ أعمى، أو بالصدفة، كما كان قبل سنوات، ليأخذ ما يُصادفه في طريقه، يدخل اليوم إلى المعرض وله وجهة نظر فيما يمكن أن يقتنيه، وما يريده، وسائل التواصل الاجتماعي اتسعت وكبرت، وأصبحت وسيلة ثقافية مهمة تساعد على اختيار الأجود والأكثر استجابة للحاجة الثقافية من الكتب، إذا أراد القاريء اليوم كتابًا معينًا أو رواية، يُمكنه أن يستجير ببساطة بمحرك غوغل، في ظرف دقيقة تكون المعلومة في حوزته، لا يحتاج القاريء الهاوي أو المختص إلى مرجعيات مكلفة من حيث الوقت، وربما ماديًا أيضًا، ثم يجب أن لا ننسى أن معارض الكتب شديدة الأهمية في ضمان فكرة التآزر والتوازن العائليين والوطنيين والقوميين، المعرض أسمنت سري يحافظ على الوحدة الثقافية في تعددها، وتنوعها. تنتقل الأسرة إلى موقع المعرض بأبنائها، كبارًا وصغارًا، ويشق الجميع الأجنحة المختلفة، من الأطفال، إلى الأحداث، إلى الكبار، وكل واحد يبحث عن مبتغاه في جوٍ من الحب والطمأنينة والرغبة في الاكتشاف الحر، ربما لأوّل مرة تجتمع العائلة حول فعل ثقافي مشترك، من الناحية الأكثر عمومية، إن اللقاءات بين دور النشر المحلية والعربية، وعقد صفقات التبادل مسألة في غاية الأهمية، إنها الفرصة الوحيدة عربيًا التي يلتقي فيها الناشرون القادمون من كل الأصقاع العربية، مع بعض، ويتبادلون معضلات الكتاب والمقروئية ووباء القرصنة الذي يُشكِّل مرضًا قاصمًا للظهر، ويخرجون بنتائج فعلية يثبتها الميدان وليس فقط الأبحاث والدراسات النظرية، وأعتقد أن المعارض العربية الكبرى، كمعرض القاهرة، أبوظبي، الشارقة، الجزائر وغيرها، تحوّلت إلى أمكنة لانتظار الجديد، هناك نقطة ضعف واحدة ما تزال إلى اليوم بدون حل، تمس كل المعارض العربية بلا استثناء، معرض فرانكفورت مثلا يُركِّز جديًا على فكرة شراء الحقوق بين الدول الأوروبية وغيرها، بالنسبة للنصوص الناجحة في السوق من أجل ترجمتها، وتعقد اتفاقيات كبيرة ومهمة تجعل الكتاب يسافر عبر لغات العالم، المعارض العربية لم تتفطّن إلى هذا وقيمته وغرقت بالمقابل في عمق السوق بمعنى البيع والشراء، طبعًا المسألة أكثر تعقيدًا لأنها تمس الحالة العربية والوضع القاسي الذي تعيشه مختلف الدول العربية مجتمعة، على الرغم من الجهود المبذولة، فقد تحوّلت المعارض في النهاية إلى سوق كبيرة للكتاب، وهي مسألة مهمة طبعًا، في ظل غياب تسويق الكتاب عربيًا، وعجز كثير من دور النشر والمؤسسات الجمركية والأمنية على توفير حركة سهلة للكتاب، فالمعارض العربية اليوم تسدّ نقصًا كبيرًا في وضعية الكتاب الغربي والعالمي، وتسمح للناشر أن يعيش، وتستمر حلقة الكتاب حية، لكن هذا كله لا يكفي. يحتاج الكتاب العربي إلى أن يدخل إلى السوق العالمية بقوة ويُسخِّر كل الوسائل المصاحبة لذلك، وهذا يقتضي وجود ذكاء أوسع في التعامل مع الكتاب، أكثر مما هو عليه اليوم، فهو سلعة لكن ليس سلعة فقط، أكثر من ذلك حاجة لتوازن المجتمع. مما يفرض على الدولة حضورًا، ليس كرقيب ولكن كمساعد لحركية الكتاب. تسويق الكتاب عبر المعارض الدولية أكثر من ضرورة، ليس فقط لسبب تجاري، ولكن أيضًا حضاري، وتغيير النظرات الجاهزة عن العربي الذي أصبحت صورته إكليشيهًا جاهزًا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store