غالباً ما تصل الاستحقاقات في غير وقتها، فقد نراها مبكرة إن كنا لا نريدها، وقد نراها متأخرة إن كنا ننتظرها، غير أن الحقيقة هي أن ما يفاجئنا ليس الأحداث بذاتها، ولكن جهلنا بها، أو عدم استعدادنا لمواجهتها.
يحدث هذا في حياة الأفراد، كما يحدث أيضاً في حياة المؤسسات والكيانات والدول.
المفاجآت، هي القاسم المشترك الأعظم في حياة الغافلين، يقل عددها ويخف تأثيرها، كلما زاد وعي ويقظة المستهدفين بها أو من يتلقونها.
أكثر الناس قدرة على رصد مقدمات الأزمات، والتحسب لها، هم أكثرهم قدرة على الاستفادة منها، وتحويلها الى فرص حقيقية، مثمرة ومربحة، وقد قلتُ مراراً في هذا المكان ، إن «مفتاح الفرص تحت دواسة باب الأزمات «بل وخصصت مقالاً بذات العنوان.
الآن، وبينما تعصف أزمات كبرى بالمنطقة، توشك أن تقتلع بعضاً من أقدم ملامحها، أو أن تغير بعضاً من أهم سماتها،فإن توقع مآلات الأزمات الراهنة في سوريا والعراق واليمن وليبيا،بات مهمة شديدة الإلحاح، بالغة الصعوبة، لكن أحداً في المنطقة، لا يملك ترف تجاهلها، أو غض الطرف عنها، وإلا بات كمن يغلق عينيه حتى لا يرى من يسرقون حقه في الوجود .
لا أعرف وسط إيقاع متسارع للأحداث في العراق حيث تدور معارك (تحرير) الموصل، إن كان ثمة من سأل نفسه عن مآلات المستقبل في الموصل بعد تحريرها، هل ستعود الى العراق الدولة المركزية صاحبة السيادة القانونية والتاريخية عليها، أم أنها يمكن أن تؤول الى تركيا الدولة التي أكدت على لسان رئيس وزرائها أن الموصل وكركوك وأجزاء من حلب كانت جزءاً لا يتجزأ من تركيا قبل أقل من مائة عام، أم أن قناص الفرص الايراني، سوف يتلقفها في حجره، بعدما يشارك العالم في تحريرها؟!..
كل الاحتمالات واردة بالمناسبة، ولا يمكن القطع باستبعاد أي منها، لأن عوامل ترجيح كل احتمال منها تظل قادرة على الصمود.
غرفة الخرائط التي حدَّثتكم عنها في مقال سابق، حيث تجري عملية إعادة رسم خرائط المنطقة، وفق حسابات جديدة لقوى دولية أغلبها من خارج الإقليم، تلك الغرفة مركزها الآن في الموصل،حيث وضع مهندسو الخرائط، طرف الفرجار المدبب في قلب الموصل، بينما يجري تضييق وتوسيع الطرف الآخر، بحسب حسابات القوة ومقتضيات الحال.
أغلب حسابات القوة، ومقتضيات الحال في العراق، ترجح خارطة جديدة قد تخرج معها الموصل من العراق، وقد يقتطع الأكراد بعضاً منها، أو يجري إلحاق البعض الآخر بتركيا، تحت أي عنوان، وقد تمهد حرب الموصل لقيام دولة سنية، واُخرى شيعية، وثالثة كردية فوق التراب العراقي.
إذا هبَّت رياح التقسيم من الموصل فهي واصلة حتماً الى سوريا، وإن وصلت سوريا، فلن تتوقف هناك، بل ستمضي الى ما هو أبعد.
وبينما تقترب معركة ( تحرير) الرقة من دواعش خرجوا بسلاحهم ورجالهم من الموصل تحت سمع وبصر ما يقال إنه تحالف دولي،فإن خارطة جديدة لسوريا قد تظهر الى العلن، وسط حسابات قوة، وتقديرات ظرف، تتحدث عن تقسيم واقعي لسوريا (de facto)
تحصل روسيا بمقتضاه على موطىء قدم في شرق المتوسط، بينما تحصل الولايات المتحدة على ما يتبقى من سوريا.
عموماً، فقد دخلت المنطقة بمعركة الموصل، الى غرفة جراحات الخرائط، حيث لا ينجو سوى الأقوياء.
أول مقومات النجاة من ويلات غرفة جراحات الخرائط، هو امتلاك المعلومات والقدرة على قراءة نوايا الأطراف كافة، أما ثاني مقومات النجاة، فهو تماسك البنيان الداخلي « المجتمعي» بالدول المستهدفة في الإقليم، بينما يأتي امتلاك قوة ردع عسكري قادر، في المركز الثالث حسب تقديري.
الوحدة الوطنية، لدول مستهدفة في الإقليم، هي الضمان الحقيقي لسلامة ووحدة أراضي تلك الدول، وهي لا تتحقق بالشعارات، ولا يقوم على بنائها مهندسو « ديوان الحماسة» وإنما تتحقق بالعدالة الاجتماعية، وبالتسامح الإثني والطائفي والديني، وتوسيع قاعدة المشاركة، لبناء شراكة وطنية حقيقية.
بالرصد الواعي للأحداث، وبالقراءة المعمقة للتاريخ، يمكننا فهم ما جرى، ومتابعة ما يجري، وتوقع ما قد يجري، وعندها فقط، لن نخشى المفاجآت، التي ستعجز حتماً عن مفاجأتنا.
حسن التوقع نصف الطريق إلى النصر.
من المسؤول عن وصول الاستحقاقات في غير وقتها؟
تاريخ النشر: 27 أكتوبر 2016 23:52 KSA
غالباً ما تصل الاستحقاقات في غير وقتها، فقد نراها مبكرة إن كنا لا نريدها، وقد نراها متأخرة إن كنا ننتظرها، غير أن الحقيقة هي أن ما يفاجئنا ليس الأحداث بذاتها، ولكن جهلنا بها، أو عدم استعدادنا لمواجهته
A A


