في البداية كانت (مادة التربية الوطنية). وحين نسأل لماذا فكرنا حينها في مادة وكتاب يـُعلم طلابنا حب الوطن، سنجد أن الرسالة كانت أعمق من ذلك، فالسؤال الحقيقي هو: لماذا أردنا فجأة أن نزرع حب الوطن في قلوب أبنائنا؟ هل تنبهنا إلى أنهم لا يحبونه، أم أننا كنا نواجه انحرافاً في التوجهات الدينية، وبالتالي السياسية، لبعض المواطنين؟ المادة كانت قد قُرّرت لتفعيل الحس الوطني في نفس الطالب لكي يقاوم الانجذاب للتيارات الإرهابية التي تضر بمصلحة الوطن، وكانت قد قـُرّرت استجابة لظرف ما ظنناه طارئاً، فإذا به راسخاً ومستفحلاً حتى يومنا هذا. فهل هذه إشارة تشي بفشل مادة التربية الوطنية في تأصيل معنى المواطنة الحق؟.
ربما كان الخطأ في الكتاب المقرر أو في مدرس المادة أو في فكرة تدريس حب الوطن كمادة دراسية مستقلة، أو لنقل منعزلة عن سياقات الواقع. المهم أننا تنبهنا إلى ضرورة إعادة المحاولة، فدشّن وزير التعليم السابق د.عزام الدخيّل فعاليات البرنامج الوطني لوقاية الطلاب والطالبات من الانحرافات السلوكية (فطن) قائلاً: «إن المرحلة الحالية التي تمر بها بلادنا تتطلب من الجميع وبخاصة الشباب أن يكونوا على قدر كبير من اليقظة والحذر، وعلى مواكبة الأحداث بمستوى عالٍ من الحصانة الفكرية والمجتمعية»، ثم أضاف مقدماً البرنامج وشارحاً طبيعته: «برنامج فطن يعزز القيم الوطنية، ويهدف إلى وقاية أبنائنا من الانحرافات الفكرية والسلوكية، التي تتمثل في العديد من المشكلات كالانتماءات المشبوهة لجماعات متطرفة، أو تبنٍ لأفكار ضالة». كانت رسالة وزارة التعليم من خلال برنامجها: (فطن لجيل آمن)، لكنه الأمن القائم على حب الوطن والمحافظة على مكتسباته، وهذا ما عجزت مادة التربية الوطنية عن غرسه كما يبدو.
ونحن لا ندري كيف انبثق من برنامج (فطن) برنامج آخر تم تسميته (حصانة)، ولا ندري سبب تغيير مسمى (لجنة التوعية الإسلامية) إلى (وحدة التوعية الفكرية «حصانة») بمختلف المدارس، لكن الواضح أن البرنامج الجديد هو استبدال أو دمج لنشاطين سابقين يشترك معهما ومع مادة التربية الوطنية في الهدف والرؤية، ألا وهما حماية عقول النشء من الانزلاق في ظلمات الضلال للفكر الداعشي والفكر المتطرف والسلوك المنحرف عن العقيدة والدين الإسلامي الوسطي. ورعاية فكرهم وتعزيز لحمتهم الوطنية بترسيخ القيم الوطنية. في نسخته الأخيرة يُظهر برنامج الوقاية الفكرية مفردة «داعش»، وهي للحق لم تظهر في النسخ السابقة، لكن معالجة التطرف وشبهات الغلو ومواجهة الاستهداف الموجه ضد السعودية وتعميق الانتماء الوطني كلها ما زالت على حالها.
ظهور مفردة «داعش» تبيّن أن البرامج السابقة لو تم تفعيلها باحترافية لحققت نتائج مبهرة كانت ستكفينا شرّ داعش والانسياق وراء انحرافاتها، كما تبيّن أننا مازلنا نواجه التحديات بنفس الأسلحة وبذات الأساليب، وفي كل مرة يحركنا الأمل في أن تنجح برامجنا هذه المرة تحت مسميات مُستجدّة. وللحق فإن الوزارة الحالية قد فاجأتنا بإضافة مبتكرة تُحسب لها، فرأت أن التحصين الفكري يتطلب حماية عقول الطلاب من تيارات خطيرة تهدد أمنهم مثلها مثل خطر التطرف الداعشي، ثم حددت لأول مرة تيارات «معاصرة» حذرت من الوقوع في مخالبها المدمرة، وهي التغريبية، والليبرالية، والعلمانية، والإلحادية.
وقد لا ترى الوزارة الفرق بين الانحرافات المؤدية فعلاً إلى الدمار وسفك الدماء وتمزيق العلاقات المجتمعية والعائلية وتشويه صورة الإسلام واستعداء العالم ضده، وبين تيارات فكرية، لا حزبية ولا تنظيمية، إن أضرّت بأحد، فهي قد تضرّ بالشخص وحده، وباختياراته الحياتية الخاصة. لابد أن نرجو للوزارة، وقد وسعت دوائر أنشطتها الفكرية وزادتها تعقيداً، كل التوفيق فلا تعود لنا بلجنة مدمجة ومشروع بديل بمسمى جديد.
الدرس الموجّه لتحصين العقول
تاريخ النشر: 02 نوفمبر 2016 22:45 KSA
في البداية كانت (مادة التربية الوطنية).
A A


