عندما يأتي الشاب إلى والدته طالباً منها البحث له عن زوجة، تبدأ عملية السؤال والاستقصاء عن تلك الفتاة المنشودة بين الأهل والأصدقاء والمعارف. جملة الاستفهام: «تعرفوا لنا واحدة؟»، يتبعها دائماً سلسلة من الأوصاف التي يُفضِّلها العريس: طويلة، بيضاء، شقراء... ثم يتم التنازل تدريجياً حين تجد الأم ضالتها في أقرب الدوائر المحيطة بها: قصيرة، سمراء وشعرها بني، أي أن المواصفات المطلوبة لم تتحقق، لكن التوافق يجري بين الأطراف المعنية، والباقي قسمة ونصيب.
هذه الطريقة التقليدية في الخطوبة كانت هي السائدة في زمن ما، وربما ما زالت قائمة بعض الشيء، لكنها لم تعد الوحيدة ولا المرغوبة، فالكل يعرف، بل ويوقن أن الزواج لا يتطلب أي رجل ولا أي امرأة كيفما اتفق، فكل إنسان له اختيارات وأفضليات يريدها فيمن سيشاركه حياته، بمعنى أن لكل رجل زوجته المناسبة كما لكل امرأة زوجها الذي يناسبها. الاختيار العشوائي دون مراعاة التناسب يؤدي إلى التنافر والتشاحن.
تتجلى في حياتنا العملية بشكل واضح مسألة البحث عن واحد أو واحدة من معارفنا أو معارف غيرنا، فعندما يريد صاحب أي عمل أن يشغل وظائف في شركته، فهو يتطلع ربما إلى شخص متخصص وخلوق ونشيط، لكنه يبدأ بنفس السؤال: («تعرفوا لنا واحد/ة؟» كذا وكذا مواصفاته؟) وتأتي الترشيحات من الدوائر القريبة فالأبعد ليتم الاختيار من بين المتقدمين فقط، أي من الشريحة المتوفرة التي ربما لا تتوافر فيها كل المواصفات المطلوبة، لكن الجود من الموجود، ويفوز بالوظيفة صاحب النصيب.
سؤال « تعرفوا لنا واحد/ة؟»، منتشر على الصعيد الإداري العام، فكل الفرص الوظيفية يتقدم لها من يترشح لها، وهي طريقة لا شبهة فيها ما دام الاختيار حيادياً، لكن المشكلة العويصة تبقى أن المتقدمين قد تم ترشيحهم من معارفهم وأقربائهم، أي أن الفرص لم يتقدم لها الأكفاء ولا المؤهلين بالضرورة، لكن الكل مُجبرٌ على الاختيار من بين المتقدمين وقد تقلصت المتطلبات الأولية، فينتهي الأمر بوضع الشخص غير المناسب في مكان لن يفيد منه شيئاً.
في كل مناسبة رسمية أو ثقافية أو ظهور إعلامي أو إيفاد مرافقين للخارج أو تنصيب مرموق أو منح جوائز يحضر هذا السؤال: « تعرفوا لنا واحد/ة؟» محور إيكال المهام للمرشَّحين يرتكز على اختيارٍ من دائرة ضيقة معروفة في نطاق أضيق. ويترتب على ذلك ما نراه من توظيف الأقارب ومن تزكية الزوجات ومجاملة الأصدقاء، فالأقربون المعروفون أولى، وما نراه كذلك في التركيز على أسماء معينة لا تتزحزح من مواقعها إلا لكي تتشبث بمواقع أخرى إلى ما لا نهاية، فقط لأن أحداً ما يعرفها.
هل السبب في عدم الخروج من دائرة المعرفة الشخصية هو عدم الرغبة في الاجتهاد في البحث الجاد عمن يستحق الفرص المتاحة؟ أم أن عملية البحث في حد ذاتها عديمة الجدوى؟ هل يعرف أحد منا أين يبحث بشكل علمي مقنن عن الكفاءات المناسبة للمهمة المطلوبة في هذا البلد؟ أما آن الأوان أن يكون لدينا قاعدة بيانات متاحة للاستعلام بشكل دقيق ومقنن؟.
إن قواعد البيانات لها أهمية قصوى في التخطيط للموارد البشرية وفي تحقيق أهداف التنمية، فهي تمكن من الوصول السريع إلى المعلومات المطلوبة من جهة موثوقة وبشكل محترف، فتساهم في تصحيح الاختيارات لوضع الأشخاص المناسبين في المواقع المطلوبة وتحقيق الاستفادة من الكفاءات المتوفرة وتحسين مستوى الأداء. كفانا اعتماداً على من يعرف من، وعلى من يرشح من، وعلى تلميعات وتطبيل كثير من وسائل الإعلام لأشخاص بعينهم، لا يغيبون عن دوائر الضوء، فيصبحون من دوائر معارفنا المرشحين.
(تعرفوا لنا واحد/ة ؟)
تاريخ النشر: 09 نوفمبر 2016 22:37 KSA
عندما يأتي الشاب إلى والدته طالباً منها البحث له عن زوجة، تبدأ عملية السؤال والاستقصاء عن تلك الفتاة المنشودة بين الأهل والأصدقاء والمعارف.
A A


