Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

«القدوة»: اختبارٌ للوعي.. و«عزم الأمور»

No Image

للأخلاق، وكذا (القدوة) فلسفة لا تتجاوز في جوهرها عمّا عبّر عنه القرآن الكريم بعبارة؛ هي «عزم الأمور».

A A
للأخلاق، وكذا (القدوة) فلسفة لا تتجاوز في جوهرها عمّا عبّر عنه القرآن الكريم بعبارة؛ هي «عزم الأمور».
وعندما يطلق الأمير خالد الفيصل مشروع «كيف نكون قدوة»، مع ما يصاحب المشروع من رؤية استراتيجية ذات «رسالة»، و»أهداف»، و»غايات» تقوم على منهج إسلامي، فهو لا شكّ، يطالب بالقدوة الحسنة، سعيًا لبناء الإنسان المسلم من جهة، والمكان من جهة ثانية.
فالقدوة، على أقل تقدير، تعدّ اختبارًا للوعي المجتمعي في كلّ ما يصدر عنه ومنه، كون القدوة في النهاية هي المرآة الحقيقيّة والواقعيّة لمستوى الوعي لدى المجتمع بكل فئاته، وطبقاته، وأنماطه.
وإذا قلنا (القدوة)، فإنّنا نعني بها (القدوة الحسنة)، وهذا يعني -أيضًا- أنّنا نطالب بالتّمثل الحقيقي للمبادئ الإسلاميّة والمثل التي حثّ عليها، ومن ثمّ إسقاطها على أرض الواقع في كلّ ما يصدر عنّا من أفعال وأقوال بعيدًا عن أي ازدواجيّة، خاصّة بعد أن بعدت الشّقة ما بيننا وبين ما جاء به الإسلام من مثل عليا، وقيم جوهرية تتّصل بحياة الناس في واقعهم المعاش.
فإذ كان القدوة كمفهوم؛ هي: «إحداث تغيير في سُلوك الفرد في الاتجاه المرغوب فيه، عن طريق القدوة الصالحة؛ وذلك بأن يتَّخذ شخصًا أو أكثر يتحقَّق فيهم الصلاح؛ ليتشبّه به، ويُصبح ما يطلب من السلوك المثالي أمرًا واقعيًّا ممكنَ التطبيق»؛ فإنّ الحاجة باتت ملحّة لحضور شخصيّات فاعلة تسقط من خلال سلوكها إحداث تغيير في واقع الناس بالقدوة الصّالحة أقلّها وأدناه إماطة الأذى عن الطريق.
وهذا يدلّ على عِظم الأثر الذي تحدثه القدوة في تشكيل الشخصيّة الإنسانيّة، ولهذا يُرجع بعض المفكرين هذا التأثير إلى عدة أسباب ركّز عليها الإسلام أيما تركيز، لعلّ من أبرزها: أنّ في فطرة الإنسان ميلًا قويّا للاقتداء، كما أنّ المثال الحي الذي يتحلّى بجُملة من الفضائل السلوكيّة، يُعطي غيره قناعة بأن بلوغها من الأمور التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال، إضافة أن المثال الحي المرتقي في درجات الكمال السلوكي، يُثير في الأنفس الاستحسان والإعجاب.
ولهذا كان خطاب القرآن الكريم أشد وضحًا في هذا السّياق حينما عبّر في مواضع شتى عن هذه القضية بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، و(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)، و(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
وتساوقًا مع مجموع تلك الآيات القرآنيّة يقول أحد المفسرين: «كانت سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحياته الواقعيّة بكلِّ ما فيها؛ من تجارب الإنسان، ومحاولات الإنسان، وضَعف الإنسان، وقوة الإنسان مختلطة بحقيقة الدعوة السماوية، مُرتقية بها خُطوة خطوة؛ كما يبدو في سيرة أهله وأقرب الناس إليه، فكانت هي النموذج العملي للمحاولة الناجحة، يراها ويتأثر بها مَن يريد القدوة الميسرة، العملية الواقعيّة، التي لا تعيش في هالات ولا في خيالات».
وقديما فسّر الفيلسوف الإنجليزي «هوبس» كلّ خلق حميد بوصفه قدوة، بأنّه قوّة، أو دليل على قوة، فالصّبر قوّة؛ -كما يقول المفكر الإسلامي عباس محمود العقاد- لأن الضّعيف يجزع، ولا يقوى على الصّبر والاحتمال. والكرم قوّة؛ لأنّ الكريم يثق من قدرته على البذل، ويعطي من هو محتاج إلى عطائه. والعدل قوّة؛ لأنّه غلبة الإنسان العادل على نوازع طمعه ودوافع هواه. والعفّة قوّة؛ لأنّها تقاوم الشّهوة والإغراء. والحلم قوة؛ لأنّه مزيج من الصبر والثقة. والرّحمة قوة؛ لأنّها انقاذ لمن يستحق الرحمة من المرضى أو العجزة أو الصغار الموكولين إلى رعاية الكبار.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store