حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقيت مكانية للإحرام لا يتجاوزها من أراد الاعتمار أو الحج، وهذا التحديد رمز كبير لاستشعار قيمة نسك الحج أو العمرة، ولأهمية مكة المشرفة، ومن تلك المواقيت المكانية: ذات عرق مكان معروف قرب عقيق الطائف، سمي بذلك لعرق فيه، والعرق هو الجبل الصغير، ويقال إنه منتهى جبال تهامة، يفصل بين جبال تهامة ونجد.. يقول الحموي: «ذات عرق مُهَلّ أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة، ومنه ذات عرق»، وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق، وعرق: هو الجبل المشرف على ذات عرق، وإياه عنى ساعده بن جوية بقوله- والله أعلم- يصف سحابًا:
لما رأى عرقًا ورجع صوبُهُ
هدْرًا كما هدر الفنيقُ المصعبُ
ولها اسم آخر الضريبة، ولعل الصحيح الظريبة بالظاء، والمراد الجبل الصغير، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب)، فالظراب هي الجبال الصغيرة، كما اشتهرت ذات عرق لوقوعها على طريق الحاج البصري
(من البصرة إلى مكة المكرمة)، وبها مآثر ولاسيما بعض أعلام (علامات) الحج وبقايا بنيان ومجموعة من المقابر، ويعدّ هذا الطريق هو الثاني في الأهمية، حيث ينطلق من مدينة البصرة مارًا بشمال شرق الجزيرة العربية عبر وادي الباطن مخترقًا منطقة صحراوية، أصعبها صحراء الدهناء، ثم يمر بمنطقة القصيم، التي تكثر فيها المياه العذبة والوديان الخصبة والعيون، ومن القصيم يسير الطريق محاذيًا للطريق الكوفي حتى يلتقيان عند محطة أم خرمان (أوطاس)، التي تقع على مسافة عشرة أميال من موقع ذات عرق، كما يلتقي طريق البصرة بالطريق الرئيس الممتد من الكوفة عند منطقة معدن النقرة، التي يتفرع منها طريق يتجه إلى المدينة. وأوطاس المذكورة وقع بها قتال المسلمين لفلول بقايا غزوة حنين، وحنين واد بالقرب من مكة المكرمة، بل أصبح حيًا من أحيائها يسمى حاليًا الشرائع، وقد هرب المشركون بعد الهزيمة فتتبع المسلمون آثارهم حتى بلغوا أوطاس (ذات عرق)، وذات عرق ميقات أهل العراق، ومن ورائهم من أهل المشرق كأهل خراسان وغيرهم، ولم يرد ذات عرق في الأحاديث، التي تحدد مواقيت الحرم، مثل حديث ابن عباس رضي الله عنهما (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، قال فهنّ لهنّ ولمن أتى عليهم من غير أهلهنّ لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنّ فمهله من أهله، حتى أهل مكة يهلون منها)، فلم يرد ذات عرق في هذا الحديث، وقد تم تعيينه من قِبل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما فتح هذان المصران، البصرة والكوفة أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّ لأهل نجد قرنًا، وإنه جور عن طريقنا
(أي: مائل) وإن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحدّ لهم ذات عرق، وقد ورد في بعض السنن بأن النبي صلى الله عليه وسلم حدّد ذات عرق لأهل العراق، حيث أخرج أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، وقد استخدم ذات عرق قديمًا وكان أشهر الأمكنة التي يمر بها هذا الطريق: مكة الرقة ثمَّ وادي نخلة الشامية ، ثم المضيق، ثم البرود ثم شرائع المجاهدية، ثم العدل، أما اليوم فهي مهجورة لا تستخدم أي: كميقات من المواقيت المكانية؛ لأن الطرق المسفلتة لا تمر عليه وإنما تمر على الطائف والسيل الكبير قرن المنازل، وقد تم الاهتمام للمشروعات الجديدة للمواقيت ومنها: ميقات ذات عرق.