باستثناء آلان جوبي، وزير الخارجيَّة السابق، لا يوجد من المتنافسين مَن يستطيع ادِّعاء تمثيل الديغوليَّة بقيمها التاريخية الكبيرة، التي تعني استقلال القرار السياسي والعسكري الفرنسي عن الآلة الأمريكيَّة التي فرضت نفسها بقوة على أوروبا. رؤية ساركوزي كانت تبعيَّة بامتياز في فترة بوش الابن، صغَّرت كل القيم الفرنسيَّة، ودفعت بالبلاد نحو العنصريَّة المقيتة، والمزيد من التفكك الداخلي، إذ إنَّ جزءًا من الشعب الفرنسي وجد نفسه مقصى، خارج الدائرة التي كان يتساوى فيها كل الفرنسيين، بغضِّ النظر عن أصولهم. فرانسوا فيون الفائز الأخير بالانتخابات الأوَّليَّة لتمثيل اليمين في الاستحقاقات الرئاسيَّة المقبلة، والقادم من الديغوليَّة الجديدة، التي مثلها السياسي المخضرم فيليب سوغان، قد لا يضيف جديدًا سوى تأزيم الوضع أكثر، بمراعاة خطاباته الجديدة. اتَّخذ من الإسلام والهويَّة والهجرة والأخلاق المسيحيَّة، مطيَّته الانتخابيَّة الأساسيَّة للحصول على أصوات المنتخبين. برؤيته الملتبسة بين الإسلام، والإرهاب الإسلاموي، دخل فرانسوا فيون في صلب موضوعات اليمين المتطرِّف الذي وضع إشكال الهويَّة والهجرة والإرهاب، على رأس اهتماماته، مع تقسيم واضح بين الفرنسي ذي الأصول المسيحيَّة اليهوديَّة، والفرنسي ذي الأصول الإسلاميَّة الذي حمِّل بكل الويلات، وتمَّ نسيان أو تناسي، أنَّ المشكلة الكبيرة في فرنسا هي مشكلة عدالة اجتماعيَّة مغيَّبة، وهي تمس الفرنسيين عمومًا، وتمس الأحياء الهامشيَّة أكثر، التي شكَّلت عشًّا حقيقيًّا للإرهاب. نعم، الإسلام مريض بذويه، وبالإرهاب الذي ينخره من الداخل، ولكن المجتمع الفرنسي يحتاج اليوم إلى راديوسكوبي، والتفكير في كيفيات حلِّ المعضلات الكُبرَى جذريًّا، مثل الخروج من فكرة الضواحي! والدفع بالمجتمع إلى المزيد من الاختلاط، وتكافؤ الفرص، وهو ما شاهدناه تقريبًا في آخر ديغولي حكم فرنسا، جاك شيراك. السنوات التي مضت والتي كان على رأسها ساركوزي، الذي جاء بعده، فرانسوا هولاند، لم تقدم حلولاً حقيقيَّة على الرغم من الجهود التي كانت تصطدم دائمًا بشرطيات اليمين المتطرِّف، والحكومة الاشتراكيَّة، التي كثيرًا ما كانت متناقضة مع خطاباتها الإنسانيَّة، فتلامس العنصريَّة. أخطر شيء يخترق بلدًا من الداخل هو العنصريَّة التي لا يتفطن لها السياسيون إلاَّ بعد أن تصبح فعلاً مدمِّرًا وخطيرًا. تمامًا كما حدث مع معاداة السامية التي بدأت تظهر من حين لآخر في شكل مغلف مثل قضية دريفوس، قبل أن تتحوَّل إلى جريمة موصوفة اشتركت فيها أوروبا، أو لنقل جزؤها الفاعل عسكريًّا، وانتهت بالهولوكست البغيض. المشكلة الكُبرَى هي أنَّ البشريَّة لا تتعلَّم. امتلاك القوة يغيّرها بسرعة ويجعلها في صف القتلة، وليس المظلومين، إذ تصبح الضحيّة بعد سنوات قليلة من مأساتها، جلادًا بدورها، يعيد إنتاج نفس الممارسات، وربما أسوأ منها أحيانًا. كل العلامات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة توحي اليوم بأن أوروبا القوية وربما أمريكا أيضًا، تتجه نحو هذا المسار العنصري الذي افترض عدوًّا ساهم في خلقه، ثم تخلَّى عنه، وكأنه بريء منه كليًّا. وسرَّع الإرهاب الإسلاموي العمليَّة، مع خلط كبير بين المسلم والإسلاموي، بالنسبة للمجتمعات الأوروبيَّة البسيطة، والأحزاب السياسيَّة بكل ألوانها، التي غيَّبت على مدار القرون، المساهمة العربيَّة والإسلاميَّة في الحضارة الإنسانيَّة. من هنا لا نستغرب لماذا وضع اليمين الجمهوري رجليه في المساحة والموضوعات التي كانت قسرًا على اليمين المتطرِّف، كالهويَّة الفرنسيَّة، والإرهاب والهجرة والدين، والنموذح الحياتي الفرنسي، وكأن البلاد كلها أصبحت مهددة بالإسلام في كوميديا صدام الحضارات السوداء، مع أنه كان يكفي تطبيق قوانين الجمهوريَّة ليتم حل ما بدا عويصًا.
في الانتخابات الفرنسيَّة الأخيرة، ضاقت فجأة المساحات بين اليمين الجمهوري واشتراكيي مانويل فالس، من جهة، واليمين المتطرف من جهة ثانية. إذا كان الإرهاب مرضًا كبيرًا، وجريمة تحتاج إلى حرب حقيقيَّة لانتزاعه واجتثاثه من العالم كله، والعالم العربي والإسلامي تحديدًا، فهو بحتاج إلى فهمه، وامتلاك الجرأة لإدانته، وفضح أسسه، ومصادره الماليَّة، وفهمه، وفهم آليَّاته السياسيَّة، ونقد الأخطاء الأوروبيَّة والأنجلوساكسونيَّة التي تعاملت مع الحركات الإسلامويَّة المتطرِّفة، من موقع المصلحة البحتة: خلق عدو خطير، يسمح بتحريك لوبي الأسلحة، والماكينات الحربيَّة، وتحجبم دور الدب الروسي. فالقاعدة وداعش صنيعتان مخبريتان بامتياز، دمرتا كل ما بُني عبر قرون متتالية من تآخٍ دينيٍّ وحضاريٍّ، في المجتمعات الإسلاميَّة قبل غيرها. الانتخابات الفرنسيَّة القادمة لن تقدم الشيء الكثير، إلاَّ المزيد من العنصريَّة التي أصبحت ظاهرة مبتذلة لا يعاقب عليها القانون. وسيزداد الإسلام الراديكالي تناميًا وضراوة، وستكون انتخابات مارس 2017 بروفة مكررة لانتخابات مايو 2002، التي تنافس فيها شيراك ضد رئيس اليمين المتطرِّف جون ماري لوبين، وفاز فيها شيراك بنسبة 82.1 بعد اللجوء إلى التصويت الجمهوري لاعتراض اليمين المتطرِّف.
المسلمون.. شماعة الانتخابات الأوروبية
تاريخ النشر: 30 نوفمبر 2016 22:13 KSA
باستثناء آلان جوبي، وزير الخارجيَّة السابق، لا يوجد من المتنافسين مَن يستطيع ادِّعاء تمثيل الديغوليَّة بقيمها التاريخية الكبيرة، التي تعني استقلال القرار السياسي والعسكري الفرنسي عن الآلة الأمريكيَّة
A A


