Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

النقرة.. محطة على طريق درب زبيدة وآثارها شاهدة على حضارة الماضي

No Image

قال سبحانه وتعالى (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، فامتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى، ظلَّ المسلمون يأتون إلى مكَّة لأداء

A A
قال سبحانه وتعالى (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، فامتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى، ظلَّ المسلمون يأتون إلى مكَّة لأداء فريضة الحجِّ عبر دروب مختلفة، وكانوا يأتون رجالاً أو ركبانًا أيّ: على ظهور الجمال، في صورة فرديَّة، أو جماعيَّة، وهكذا نشأت طرق كثيرة من كلِّ جهة سُمِّيت فيما بعد بـ»طرق الحجِّ»، تبنَّتها، وعزَّزتها، وحمتها الخلافة الإسلاميَّة في عهد الخلفاء الراشدين، وفي عصر الدولتين الأمويَّة والعباسيَّة، ولم تكن هذه الطرق مجرد مسارات لعبور الناس، والدَّواب، والبضائع، بل كانت شرايين حياة، بها تواصل الناس، وانتقلت الأفكار، والطباع، والعادات، والتقاليد من مجتمعٍ إلى آخر. ومن تلك الطرق الشهيرة (الطريق الكوفي)، درب زبيدة، واشتهر بها نسبة إلى زبيدة زوج الخليفة هارون الرشيد، حيث اهتمَّت بهذا الطريق، فأُقيمت على امتداده المحطات والاستراحات، ورُصفت أرضيَّته بالحجارة في المناطق الرمليَّة، وزُوِّدت بالمنافع والمرافق اللازمة من آبار، وبرك، وسدود، ومن محطَّات درب زبيدة النقرة (الجفنيَّة حاليًّا)، يقع النقرة في منطقة القصيم على يمين الخط السريع المتَّجه إلى المدينة المنوَّرة، ويُعتبر مركز النقرة المنفذ الغربيّ لمنطقة القصيم، وقد ذكر النقرة أكثر المؤرِّخين، يقول الحربي: «زمن الحاجر إلى النقرة سبعة وعشرون ميلاً ونصف الميل، وريق العشيرة يعدل المنحدر من الحاجر يمنة، حتَّى يخرج إلى الأجفر». ويقول: «مَن أراد النقرة أخذ يسرةً مع الجبل، ومَن أراد معدن القرشي، تيامن حتَّى يلقاه البريد». ويقول: «وعلى ستة أميال من قرورا من طريق النقرة بركة مدوَّرة تُسمَّى الحسني». ويقول: «إنَّ النقرة التي عليها النقرة، أنّه حُفر فيها قليب في زمان عطش، في صفا، دلَّ عليها مهندس، فنقرت في الصفا، حتى أدرك ماؤها فسُمِّيت النقرة». ويقول: «ومن النقرة إلى مغيثة الماوان سبعة وعشرون ميلاً، وبالنقرة قصر ومسجد، وبها بركتان وآبار، وبها ثمانية أعلام: علمان للدخول، وعلمان للخروج، وعلمان لطريق البصرة، وعلمان لطريق المدينة». ويقول: «وعلى ثلاثة عشر ميلاً من النقرة بركة على يمنة الطريق، عند الجبل والقصر، تسمى بركة الأقحوانة، وهي المتعشا». ويقول الحموي: «وبقرورى يفترق الطريقان، طريق النقرة وهو الطريق الأول عن يسار المصعد، وطريق معدن النقرة وهو عن يمين المصعد، مع العلم أن الدرب من كلتا المحطتين سيلتقي مرة أخرى في مغيثة الماوان». وذكر ابن رسته: «ومن الحاجر إلى معدن النقرة 34 ميلاً منزل فيه أعراب كثير». كما ورد ذكر (النقرة) في كتب المغازي، حيث جاء ذكرها في سريَّة غالب الليثي إلى موضع يُسمَّى الميفعة (وهي وراء بطن نخل إلى النقرة قليلاً بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد)، في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، ولشهرة النقرة حدد بها المواقع، ولعل من أشهر ذلك قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «إن بين الحاجر والنقرة لرأيا». وحينما حجَّ هارون الرشيد خرج واليه على المدينة يتلقَّاه فلقيه بالنقرة. وكذا ذكر النقرة الرحَّالة، حيث يقول ابن جبير: «ثم نزلنا يوم الأربعاء، خامس يوم رحيلنا، بموضع يُعرف بالنّقرة، وفيها آبار ومصانع كالصهاريج العظام، وجدنا أحدها مملوءًا بماء المطر، فعمَّ جميع المحلَّة ولم ينضب على كثرة المحلَّة واستماحتها». كما ذكر الحربي النقرة كمحطة بعد الحاجر حيث يقول:
ثم نزلنا بعده بالنقرة
بمنزل بين صخور وعرةْ
ليس به من نبت أرض خضرةْ
ظلت إليه عيسنا منشمرةْ
حتى أنيخت ذللا منبهرةْ
وفي القباب حرة مفتخرةْ
على الملوك، بالندى، مقتدرةْ
لكل خير لم تزل مدخره
لها عيون في الفلا منفجرة
أضحت على الناس بها مؤتجرةْ
وقال الشاعر في أرجوزة أخرى:
وبعدها (مغيثة المأوان)
كانت إليها ريحة الركبان
ثم أتوا من حيث باتوا (النقرة)
وهي لمحصي العدّ تأتي العشرة
وأنشد أبو جعفر أحمد بن محمد الضحاك بن عمرو الحماني الكوفي:
تحط في أنيابها وتحصد
وورد (تُوز) و(سميرا) توعَدُ
وكان بـ(الحاجر) يوم أسعد
منه إلى (النقرة) قد تومي اليدُ
وقال آخر في وصف المنازل إلى مكة:
و(بطن نخل) بعده تعمدوا
ثم إلى (عسيلة) قد تورد
ثم إلى (النقرة) عاد العود
ثم انتهى طريقنا المعبد
وقد عثرت في النقرة بقايا من الآثار كالبرك، والآبار، البيوت الحجرية، وبقايا قصر، وبالقرب منه بقايا مسجد صغير، كما وجدت في سطحها عدد من كسر الأواني الفخريّة والزجاجيّة، وتلك الآثار المتبقيّة في النقرة شاهدة على حضارة الماضي، كما يدلُّ على أن المنطقة سكنت خلال فترة من الزمن في العصور الإسلاميّة المبكرة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store