أغبط هؤلاء الذين بوسعهم أن يعيشوا اللحظة، وأن يستمتعوا بها، أنا لا أستطيع أن أعيش اللحظة، ولا أستطيع من ثَمَّ الاستمتاع بها، ما لم أحط بإطلالة -على الأقل- على اللحظات التالية.
كنت أشعر بالقلق، كلَّما رأيت ثوَّارًا، وشبابًا يحتفلون بانتصار في الميادين،؛ لأنَّني لم أكن واثقًا في أيِّ وقت من أنَّ اللحظة التالية سوف تحمل أخبارًا سارَّة أيضًا، حتَّى في ملاعب كرة القدم، يمكنني أن أستمتع بضع لحظات بهدف في مرمى الفريق المنافس، ثُمَّ سرعان ما يعاودني القلق ممَّا تحمله اللحظات التالية.
هؤلاء الذين يقلقهم سيناريو اليوم التالي، يفتِّشون طول الوقت، عن انتصار كامل، أو عن مكسب مطلق، أو لنقل إنَّهم ينشدون الكمال، لكن المطلق لا وجود له على الأرض، والانتصار الكامل بات جزءًا من الماضي، أمَّا الكمال فللخالق وحده جلَّ وعلا.
في غياب فكرة الانتصار الكامل، أو الهزيمة المطلقة، تصبح مهمَّة السياسة طول الوقت، البحث عن مناطق وسطى يمكن أن يتعايش فيها، أو معها الجميع.
من أبرز إبداعات السياسة قدرتها على نحت مصطلحات جديدة، مهمَّتها أن تجعل المستحيل ممكنًا، وأهمُّ إبداعات السياسة في هذا المجال مصطلح «Coexistence»، الذي يعني العيش المشترك، أو التعايش السلمي.
هذا المصطلح الذي نحتته السياسة، ليس سوى وسيلة لتجرُّع الحقيقة، وإن كانت مُرَّة.
أبرز الحقائق في حروب العصر الحديث، هو أنَّه لا انتصار بالمطلق، ولا هزيمة أيضًا، حتَّى مهمَّة الحرب لم تعدْ إفناء الآخر (الذي بات محظورًا بالمناسبة حتَّى في الحروب)، وإنَّما إلحاق الهزيمة بإرادته، أو بأفكاره، وحمله على التعايش مع أفكار الآخرين، أو القبول بها، أو الاعتراف بوجودها.
ما يجري في الشرق الأوسط، وفي سوريا -على وجه التحديد- لا يمكن مهما حاول صنَّاع المشهد، أن يتجاوز حدود تطويع رؤى الأطراف المتصارعة، لصالح ما يمكن أن تنتجه موازين القوى المستحدثة على الأرض من حقائق جديدة.
حسابات القوة على الأرض في سوريا، قد تُرجِّح كفَّة نظام بشار الأسد، لكنَّها لا تسمح حتَّى الآن بإمكانيَّة استعادة وحدة التراب السوري في المستقبل. حتَّى في حال سيطر الأسد، وحلفاؤه على كامل الأراضي السوريَّة، فإن السيطرة على الأرض في حال الحرب شيء، وإدارتها في ظل حالة سلام شيء آخر تمامًا.
يحتاج الصراع في سوريا إلى إعادة بناء رؤية للإقليم بأكمله، وهي مهمَّة لا يقدر عليها طرف، أو تخالف بمفرده، روسيا، ولا أمريكا، ولا القوى الإقليميَّة، ولا الفصائل المحليَّة، كل هؤلاء لا يمكنهم في الظرف الراهن إنتاج رؤية لمستقبل سوريا والإقليم، لكنَّهم بالطبع يملكون القدرة بدرجات متفاوتة، على التأثير في صناعة تلك الرؤية.
طبقًا لمراكز أبحاث أمريكيَّة، فإنَّ فرص استعادة وحدة سوريا تتلاشى وتبتعد، وأن على الإقليم كلّه أن يستعد لعصر ما بعد سوريا المنقسمة، أو المنشطرة، طبقًا لأندرو تابلر زميل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الذي يرى أن سوريا ذاهبة إلى التقسيم، وأن على الرئيس الأمريكي الجديد ترامب أن يعدَّ نفسه للتعامل مع سوريا المقسَّمة.
صناعة رؤية جديدة لمستقبل المنطقة، تقتضي مراجعة في العمق لحسابات كافَّة الأطراف المعنيَّة، لا تستند فحسب إلى مقدار الأماني والتطلُّعات، وإنَّما تعمد إلى قياس قدرات مكوِّنات القوة الشاملة لكلِّ أمَّة، وقابليتها للاضطلاع بدور إقليمي، له أعباؤه، كما أن له مزاياه.
للمرَّة الألف.. ثمَّة نظام للأمن الإقليمي قيد الصياغة والتشكيل بالحديد والنار في الوقت الراهن.
وللمرَّة الألف أيضًا.. فقد ولَّت عصور كان يمكن فيها كسب الحروب بلمس الأكتاف، أو بالقضاء المبرم على الخصم، وأصبح العالم أكثر واقعيَّة، وأكثر ميلاً للتعايش مع حقائق وأوضاع لا يملك القدرة على تغييرها.
وللمرَّة الألف كذلك.. مهمَّة السياسة إتاحة ظروف أفضل للتعايش بتكلفة أقل، وبمخاطر أقل، وبأرباح أكثر، لكنَّ المؤهَّلين فقط لإنجاز تلك المهمَّة مع الخارج، هم مَن أنجزوها في الداخل، محققين الدرجة الكاملة.
التعايش بين المكوِّنات المختلفة في الوطن الواحد، شرط أساس لإنجاز تعايش مماثل مع الجوار، وفي الإقليم، وفي العالم.
الأمم التي نجحت في إنجاز صيغ سياسية للتعايش البنَّاء بين مكوِّنات شعبها، هي وحدها التي تربح صراعات التعايش مع الآخر في الخارج.
سوريا التي باتت مختبرًا للإقليم، وربما للنظام الدولي كله، ما تزال أبعد ما تكون عن اللحاق بفرص التعايش، وكذلك الإقليم كلّه، الذي لن يعرف الاستقرار قبل تأسيس نظام جديد للأمن الإقليمي، يستند إلى حقائق جديدة يجري الآن إنتاجها في سوريا، ويربحها فقط مَن استشرفوا اليوم سيناريوهات اليوم التالي، واليوم بعد التالي.
سيناريوهات اليوم ما بعد التالي
تاريخ النشر: 15 ديسمبر 2016 22:02 KSA
أغبط هؤلاء الذين بوسعهم أن يعيشوا اللحظة، وأن يستمتعوا بها، أنا لا أستطيع أن أعيش اللحظة، ولا أستطيع من ثَمَّ الاستمتاع بها، ما لم أحط بإطلالة -على الأقل- على اللحظات التالية.
A A


