سأوجِّه تساؤلاً بواقعيَّة؛ لأنَّه يدور في ذهن البعض بسبب انتشار فن الكتابة، وزيادة نسبة محبي القراءة.. هل شخصيَّة الكاتب في المواقع تطابق شخصيَّته على أرض الواقع؟ لا، فالمغني عندما يؤدِّي أغنية قد لا تُشبهه إنَّما كتبت له، لحنت له فأتقنها لأنَّه لابدَّ أن يُقنع الناس بإحساسه، وإلاَّ كيف سيكون مميَّزًا وناجحًا!
نحن عندما نقرأ آراء كاتب كتاباته، قناعاته، تحكمنا العاطفه؛ لأنَّه يبدو رائعًا، فأغلب الكُتَّاب رائعون، وطبيعة النفس البشريَّة تميل إلى حسِّ الجمال الكتابي، فنرسم في خيالنا صورة مذهلة له، فإذا صدر من هذا الرائع سيئة تلغى حسناته، ويُتَّهم بالمثاليَّة الزائفة.. الكتابة تُجمل الشخص أيًّا كان؛ لأنَّها أفكار منظمة، كلمات منمّقة فنسبة إعجابك بذاك الشخص أنت الذي حدَّدتها.. هو يتفنن لأنَّه يحب ما يفعل، وأنت أخترت له الإطار الذي وضعته فيه، مع العلم ليس كل ما يكتبه يعيشه، لكنَّك صدَّقته، وهذا يدل على قوة إحساسه، إذًا هو مميّز وناجح..
تختلف شخصيَّة الكاتب بنسبة ليست قليلة عن شخصيَّته في الواقع؛ لأن الكتابة إلهام، أمَّا الواقع وجود، كما أن معرفة الشخص ليست كالقراءة.. له كما هو الحال مع الأصدقاء، الصديق المقرَّب ليس كالزميل الذي تلقي عليه التحيَّة، غاب عن معجبي الكاتب حقيقة أنَّه قد يخطىء مهما كان يكتب بمهارة عالية، هو يحاول أن يعكس جزءًا من شخصيّته، والجزء الآخر يحلم أن يحصل عليه، فقد تجد كاتبًا عاطفيًّا، بينما في الواقع قاسٍ، قد تجده مشاكسًا، بينما هو هادىء، قد تجده مثاليًّا، بينما هو طائش، قد تجده جدّيًّا، بينما هو مرح.. إذًا إعجابك بما تقرأه لا يعكس الصورة الكاملة عن مَن تقرأ له، فهو يُمتعك بفنِّه مقابل أن تُمتعه بإعجابك.. وهذا ليس حصرًا على الكُتَّاب إنَّما على من يستخدم الكتابة وسيلة، فقد يعجبك القمر؛ لأنَّك تراه من بعيد، لعلَّه إن اقترب لأحببت الشمس أكثر، وربما العكس.



