لليل طبيعة صامتة يهجع فيها القلب للإنصات، وبتجلٍ ملهم، بعد أن سبح طويلاً في همومه وآلامه؛ ليقوم من دثاره المحموم كي يذوب في أجنحة العتمة التي تنسلخ عن ثوبه الموجع، لأنَّه الرفيق والصاحب الوفي للشاعر والذي هو أقرب ما يكون لقلبه ومناجاته، فوحدة الليل لا يقدر ثمنها إلاَّ الشاعر الملهم، يأتيه طويلاً، يتهادى إليه كأنثى حالمة بثوبها الأسود الحالك، وجسدها الذي احتشد بالهموم والأوجاع، وكأنَّ أفقها الجميل يشرب من ذلك الظلام ليفيق الشعر على حين غفلة، فيظل ملازمًا له زمنيًّا ومعنويًّا، يتصل معه بكلِّ الصور السوداويَّة، لكنَّه يرى صمود شاعره وصبره وتجلّده، فيطل بصيص الأمل ليخرج من حيزه الى حيز الليل. هنا كان الليل هو المطلوب الذي يستجيب ظلامه لإشعال فتائل ومشاعر الشاعر ووجعه. هو لا يحمل آلة تصوير ليصوره لنا لكنه يحمل بصيرة تصوريَّة نسجت جمال الصبر من بحور وسواد الحرف الحالك، فكان وسيلة ينقذ بها نفسه لتتعرف على سبل اشتعالها مع الزمن، وبتفوق وتصدٍّ لكل ما يطرأ على حياته فيواجهه بما يسري في هدوء الليل من رقّة فاعلة تدفقت بلا حدود، فاعتكف فيها الإحساس والمشاعر والشاعر معًا، واشتباكًا مع العتمة وفيها ليزيحا وسوسة الليل القهريَّة فيشعلا قنديلها من آماله وأحلامه بما يرهب الخوف وينفخ بتمائمه حتى يضيء ذاك الليل المسكون بتفاصيل الوجع، والتي تخلص منها محولاً إيَّاها لثيمة تجلد وصبر، وربما للتصالح مع الليل وظلامه وأنه بهذه الصورة لا يمكن أن يهزمه ذلك الظلام، هنا يخيل إليَّ أن عواطف الشعراء تدب وترتعش وتطيب وتنتعش قرائحهم المعبرة والملهمّة بليل آخر، يتمكن فيه ومعه الشاعر من الإمساك بلحظة فارقة يجيد إشعالها ورصد نفسيته المسكونة بالظلام لا بالكلام فنصحو على طيات سوداء تصب زيتها على الشموع. فبقدر عمق العتمة يتدفق الإبداع مشحونًا بشعره، وبإحساسه الجميل وروحه الصبورة الظافرة التي أمدتنا بالسكينة والراحة والحكمة، وعلَّمتنا أنه لا مستحيل مع الليل، ولا يأس، رغم بطشه الشديد، فهو لا يلبث أن يرتحل ليقبل علينا وجه الصباح بإشعاع حس ونسمات قصيدة.
* البيت للشاعر ردة السفياني
منطفي حد الظلام ومشتعل حد الفتيلة
أدري أن الليل بي يحتد لكني بهرته (*)



