تكررت مؤخرًا قصص الاعتداءت على الأطباء، وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي أحداث وتفاصيل مختلفة كلها مؤلمة والأشد إيلامًا ما كان مثبتًا بمقاطع فيديو.. تأثرت كثيرًا لبعض ما رأيت وما سمعت وما قد أكون شهدت من مثل هذه التجاوزات، بالرغم من أنها حالات فردية ولا تشكل ظاهرة ولله الحمد.. إلا أنها تؤثر سلبًا في نفوس بعض الأطباء بشكل خاص والممارسين الصحيين بشكل عام.. فالأطباء هم شريحة من المجتمع اجتمع فيها حب العلم والاجتهاد والتميز بين أقرانهم، قضوا جُل عمرهم في الدراسة والبحث والعمل، طمحوا أن يمتهنوا أشرف المهن.. من هم من تغرب داخل الوطن أو خارجه.
لماذا يدفعون ثمنًا لهدفهم؟
انعزالهم عن المجتمع، غيابهم عن المناسبات الاجتماعية والتي قد تكون مهمة لصلة الرحم وبر للوالدين ونحوها، وإن كانت فتاة فقد يبتعد عنها الكثير من الأهل الممانعين لدخولها كلية الطب بحجة أنه مكان للاختلاط، وقد يعزف عن الزواج منها الكثير من الشباب حيث ستكون مشغولة طوال الوقت مع عيب الاختلاط!!
ماذا لو قُدر لأحدهم الزواج؟ أو رُزق بأطفال؟ لا يهم، فلابد من اتمام المشوار على أتم وجه، ماذا لو مرض طفل إحداهن وهي مضطره للذهاب للمناوبة؟ لا يهم فلتقم الخادمة او أحد الاقارب على رعاية الطفل حيث هي تقوم برعاية من قد لا يعرف حتى اسمها! وقد لا يعجبه في آخراليوم مستوى الرعاية التي قدمتها..!
ظللت ولأعوام، ومازلت، أشجع الأبناء والبنات المتميزين لخدمة الوطن وامتهان الطب بالرغم من كل معاناتي خلال فترة الدراسة والعمل.. ودائمًا أقول: إن كل هذا يهون أمام أنبل المهن.
لكني اليوم أقول ربما كان فهمي للمبادئ الانسانية وحرصي على انقاذ حياة البشر والتخفيف من معاناتهم واعتقادي بأهمية ما أقدمه مجرد وهم زرعته وأعيشه بمعزل عن الناس، متناسية حقوقي كطبيبة في التقدير والحماية، فقد أقابل اليوم أحدهم ممن لم يرضى بالخدمة المقدمة وينتهي بي الأمر برصاصة في رأسي أو طعنة سكين في صدري، أنتهي بإصابة يصعب شفاؤها أو قد أودع الحياة تمامًا، ثم يأتي من لا يفقه ما يقول ويتهمني بالتقصير ولذا استحق ما حصل لي!
لكن ثمة تساؤل كبير يدور في نفسي، هل من الأسلم أن يسلم المتعلمون بالأمر ويتركوا زمام الأمور وإصدار الأحكام لمن هم ليسوا بأهل لها؟
وجدت الرد في مقولة أحد أدباء الصين «لاوتسو تاوتيه كينج»: «المتعلم هو من عرف كثيرًاعن الآخرين، والذكي هو من فهم نفسه، والقوي هو من تحكم في الآخرين، أما الأقوى فهو من امتلك زمام الأمور».
نعم الأطباء أقوى ولكن بالعلم والعقل، وردهم على جهل الجاهلين يبدأ من ذاتهم..
الخطوة الأولى تبدأ بمطالبة الأطباء، وجميع الممارسين الصحيين، بحقوقهم في الحماية وطلب تشريع قوانين تقتضي حصولهم على الحماية الكاملة من أي اعتداء لفظي أو جسدي أو تشهير، تمامًا كما نحرص على تطبيق أنظمة حقوق المرضى ونسعى جاهدين إلى تعريفهم بحقوقهم.



