ظلّت مدينة حلب لمدة عام كامل تراقب الدراما السوداء، التي كتبها معممو طهران، ونفذها بدقة حامي عرين العار بشار الأسد، وحين اشتعلت النار في أطرافها التحقت بركب ثورة الشعب السوري، ولم تكن تعلم أنها بعد ذلك ستدفع الثمن باهظًا بعد أن تداعت عليها المليشيات الشيعية، وداعش والنصرة، وجنرالات روسيا من كل مكان.
حلب التي شكلت الحاضنة الكبرى للثورة السورية سقطت بأيدي بشار والمليشيات العابرة للقارات، بعد صمود أسطوري تحت أشد أسلحة الدمار فتكًا، وعلى مرأى من منظمات حقوق الإنسان وهيئة الأمم المتحدة التي يخرج أمينها العام بشكل يومي يعبر عن قلقه مما يجري، ومبعوثها دي ميستورا الذي يحدثنا بأنه لا يعرف حقيقة ما يجري فيها.
سقوط حلب هو سقوط للعقل الحربي والسياسي للهيئة العامة للثورة السورية ولأصدقاء الشعب السوري، وللمنظمة الدولية المعنية بالاستقرار والسلم الدوليين.
الموقع الإستراتيجي لحلب كان يضمن للثوار ومن وقف معهم الاستعداد ليوم كهذا، ولكنهم كانوا يراهنون على سقوط بشار الذي بدأ أكثر وعيًا من خصومه، حيث فتح بلده ليكون ممرًا وحاضنة للإرهاب والطائفية واللعب الحر على المحاور، ووفى بوعده في أن يحول الإقليم كله إلى كرة من النار، وها هو يفي بوعده، لأنه كان عالمًا ببواطن الأمور، ووارثًا لقيم الخيانة والخداع التي تركها له بائع الجولان.
أصبح الثوار ومناصروهم اليوم في العراء، وليس أمامهم إلا الاتحاد ضد عدو لا يرحم، وتنحية الخلافات والمماحكات السياسية التي ضربت الثورة السورية في مقتل، وإلا فإن القادم سيكون أعظم سوءًا مما يمكن تصوره عقل، فالإيرانيون يعلنونها بكل وقاحة بأنهم سيكونون غدًا في صنعاء والبحرين ومكة والمدينة، وهذا ليس وهمًا سياسيًا، إنها إستراتيجية أم القرى التي صاغها محمد جواد لاريجاني وتنفذها إيران ومليشياتها الشيعية بدقة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا والبحرين، وهو ما حذر منه المفكر الكويتي عبدالله النفيسي كثيرًا، وحذرنا منه الشيخ سفر الحوالي قبل ربع قرن.
لا ينبغي لدول الخليج وتركيا والأردن السكوت على ما يجري، فالتدخل لحرمان إيران من تحقيق مطامعها واجب ديني وحضاري مهما كان ثمن التضحيات المقدمة، وقد أثبتت المملكة والدول الخليجية أنها قادرة على التصدي للمؤامرات، وأن العبث بالعمق الإستراتيجي لها لن يسمح به مهما كان الثمن.
اليوم بعض الدول العربية أعلنت وقوفها مع بشار، لأنها تقاسمه المصير، فقد تحول الإسلام لديها إلى رهاب فكري، ولديها استعداد للابتزاز والدخول في حروب خاسرة لتبقى على كرسي السلطة، الذي من أجله قتل بشار أكثر من ستمائة ألف مواطن سوري وشرد أكثر من اثني عشر مليونا.
يجب أن يعي العرب والخليجيون على وجه الخصوص، أن عدوهم الأول هو إيران، وأن إيران ليست سوى مليشيا تحكم دولة مهمتها القيام بالأعمال القذرة نيابة عن ورثة سايكس بيكو. ستكون التضحيات كبيرة جدًا، ولكن الإيمان بعدالة القضية، واجتماع القدرة والإرادة كفيلة بعون الله بتجفيف منابع الإرهاب الإيراني، وضرب خلاياه النائمة بقوة، وهذا لن يتحقق إلا بوحدتنا، ونصرة إخواننا في بلاد الشام الذين تجلب عليهم إيران بخيلها ورجلها، ولا تحسب للعالم حسابا، وإذا كانت إيران ريحا فيجب أن تلاقينا إعصارا، ولو كنا مجموعة من الضفادع لحرمنا إيران النوم، فما بالكم ونحن أكثر من مليار عربي ومسلم نملك عدالة القضية ومقومات التصدي.