تناول المختصون في تاريخ المدينة المنورة قضية تحديد ثنيات الوداع بين مؤيّد ومعارض، وأبدى بعضهم اعتراضه على التحديد الذي تبناه الباحث عبدالله بن مصطفى الشنقيطي ونشرته “المدينة”، حيث قال إن ثنيات الوداع تقع جنوب المدينة وبالتحديد جنوب غرب مسجد قباء مستدلًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم للمدينة من طريق الظبي التي تنتهي عند قباء جنوبًا وهي كثيرة الثنايا، بخلاف الثنية الشمالية التي قال إنها واحدة.
فيما أنكر الدكتور تنيضب بن عوادة الفايدي مدير تعليم البنين بالمدينة المنورة سابقًا تحديد ثنيات الوداع بجنوب المدينة، وقال إن الجنوب ليس به مداخل أبدًا حسب الواقع الذي عشناه وحسب كتب التاريخ كاملة، وليس به ثنيّات للوداع نهائيًّا، ومداخل المدينة من الشمال هي التي عليها شبه إجماع وأنها عدة ثنيّات وكلها شرق جبل سلع، والثنية الأولى كان بها مسجد وأزيل وكان عند مدخل النفق الآن، والثانية تقع وراءها ومسجدها موجود إلى الآن ويشكل مع جبل ذبابة وجبل الراية وجبل سلع ثنية، ووراءها ثنية أخرى، أما جنوب المدينة فلا ثنية فيه نهائيًّا حسب الواقع الفعلي وحسب ما ذكر المؤرخون، ودخول المدينة من الشمال دائمًا، لذلك كان الخندق من الشمال.
وأقرّ الفايدي بوجود مدخل جنوبي من الحرة الغربية لكنه نفى أن يكون هو المقصود، وقال: هناك مدخل في الجنوب يسمى المدرّج وهو عبارة عن مدرّج يسهل الطريق في الحرة الغربية، وينزل على الوادي المبارك، مؤكدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من وادي ريم ثم الركوبة.
وزاد الفايدي: صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قدم من خلال الحرة وكانت فعلًا صعبة، لكن النشيد وثنيات الوداع المشهورة في التاريخ ليست هناك عند طريق الظبي أبدًا؛ لأن هذا له علاقة في استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة تبوك وهو المشهور، وهذه فيها عدة كتب ولا تحتاج إلى براهين.
مضيفًا: وقد أقنعت بذلك مؤرّخ معالم المدينة غالي بن محمد الأمين رحمه الله الذي عشت معه فترة من الزمن وكنا نخرج للجولات معًا، وأهل المدينة القدامى ورعاة الغنم الذين كانوا يرعون في هذه الأودية وبخاصة في حرة شوران وحرة بني بياض يعرفون أنه ليس فيها ثنية أبدًا.
وقدّم تقديره للباحث عبدالله بن مصطفى وقال: ليس من حقنا التحجير على أحد وكلٌّ له الحق في إبداء رأيه ولكن الحقائق واضحة ومعروفة.
ومن جانبه قال الدكتور سليمان بن ضفيدع الرحيلي عميد كلية الآداب بجامعة طيبة -فذهب إلى التوسط بين القولين- إنه يميل إلى أن هناك مكانين لتوديع المسافرين من المدينة، أحدهما لتوديع المسافر إلى مكة وهو في الجنوب، والآخر لتوديع الذاهب إلى الشام وهو في الشمال، وقال إن الأدلة التاريخية تقوّي إن نشيد “طلع البدر علينا” قيل في مناسبتين على الأقل إحداهما في قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة جنوبًا والأخرى في قدومه من معركة تبوك شمالًا.
واستحسن الرحيلي الرأي القائل بأن هناك ثنيات تقع في جنوب المدينة وثنيات تقع في شمالها وذلك يجمع بين الروايات، مؤكّدًا أن “القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة من الجنوب في هجرته قادمًا من مكة أسبق وأنه يميل إليه.