أتناول هنا مفهوم السردية (وترتيبه السابع في جهاز المفاهيم الذي سبق ذكره في الجزء 4) وهو: «النسق المضمر ذو طبيعة سردية خفية يتحرك في حبكة متقنة»، وسبق (في الجزء 7) أن كَشفتُ بإجمالٍ منبع هذه الفكرة وهو كتاب ابن نبي المهم جدًّا في موضوعه وهو «الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة»، ذلك الكتاب الذي وضَعَه لكشف بعض قوانين الصراع الفكري التي تقع في بيئة ذات ثقافة قابلة للاستعمار؛ أي البيئة التي يتحكم فيها نسق الذات المريضة الذي فصّله في كتبه السابقة، فاضحًا فيه الأساليب الخفية التي يتبعها الاستعمار لتحقيق أهدافه الاستعمارية مستغلاً جهل المستعمَر بأساليبه الماكرة في التوجيه والتأثير إلى درجة توظيف خصومه أحيانًا أدواتٍ لتحقيق مشروعه الاستعماري دون شعور منهم! وسبق أن ذكرت أيضًا أنه بنى الكتاب المذكور على أن الصراع الفكري يقوم على فعل ورد فعل، وأن العملية محكومة بمبدأين: الغموض والفعالية (الصراع الفكري 38) وصاغ الكتاب كله على شكل «قِصَص» تحكي طبيعة هذا الصراع من خلال الفعل وردود الفعل المضادة، وقد نبّه القارئ مرات عديدة إلى فكرة الطبيعة السردية للصراع بتكريره إطلاق كلمة «قصة» على جدلية الصراع الخفي بين الفعل وردود الفعل المضادة (مثلاً:١٩، ٤٠، ٤٤، ٤٥، ٥١، ٥٤، ٥٥، ٦٤، ٧٦، ١٢٢ هـ).
ولأن لمالك بن نبي تجربة ثرية مع الاستعمار ومع بني جلدته من المحافظين والتقدميين، ولا يملك مواد محايدة يأخذ منها شواهد لما سيعرضه من قوانين لهذا الصراع فقد اتخذ من تجاربه الشخصية شواهد لتحليلاته وآرائه حول هذا الموضوع، ولذا فالكتاب كله مبني على قصص وحكايات حصلت له شخصيًا، أحيانًا يصرح بذلك وأحيانًا يعبر بنحو قوله: «ليتصورْ القارئ أنه أتى إلى عاصمة عربية منذ أربع سنوات ليقوم بمسؤولية مواطن ومسؤولية كاتب، وأنه أتى خاصة من أجل نشر كتاب يتعلق موضوعه بمؤتمر باندونج ...» (الصراع الفكري 113) ولكنه يترك في السياق ما يدل بوضوح على أنه لا يعني سوى نفسه. (كما في إشارته هنا إلى كتابه «الفكرة الإفريقية الآسيوية» الذي طرح فيه نظرية وبرنامج عمل ليكون مساهمة من مفكر بوزن مالك توضع أمام قادة دول عدم الانحياز في مؤتمر باندونج الشهير)، ولذا نجده في كتاب الصراع الفكري يصرح في مواضع عدة موضحًا أحيانًا ومعتذرًا أحيانًا أخرى أن مادة الكتاب وشواهده يمتزج فيها الذاتي بالموضوعي وأنه مضطر لعدم توافر شواهد محايدة لشرح هذه الطبيعة السردية القصصية أن يستعين بشواهد وتجارب حصلت له شخصيًا من خلال نشره لبعض كتبه وملاحظته لردود الفعل النسقية المضادة تجاهها من أصدقائه المحافظين وخصومه التقدميين، فاعتذر مرارًا لمزجه في الكتاب بين الموضوعي والذاتي بدءًا من مقدمة الكتاب في قوله: «هناك أشياء لا يجدي الحديث عنها إن لم يكن مستمدًا برهانه من تجربة شخصية تضيء الموضوع من الداخل بضوئها الخاص، والصراع الفكري في البلاد المستعمَرة واحد من تلك الأشياء، فليس للقارئ إذن أن يتعجب إن رأى كاتبًا يطرق هذا الموضوع من زاوية تحددها له تجربته الخاصة بما في هذه الكلمة من إشارة إلى بعض التفاصيل من حياته الشخصية «(السابق٩) وقوله: «ما طُرُق التخريب التي يمارسها الاستعمار ضد أفكارنا؟ هذا هو السؤال الذي سأحاول الإجابة عنه معتمدًا على تجربة شخصية أعتبرها مفيدة لسببين؛ أولهما: لأنها تتضمن ربع قرن من حياتي، وثانيهما: لأنها حدثت في بلاد مستعمَرة حيث يمكن للاستعمار استخدام جميع وسائله. ومن الممكن أن أورد هذه التجربة على أنها قصة أقصها على القارئ، أو مذكرات لمكافح في الجبهة الفكرية، ولكنني أتجنب الصورة الأولى لأنها ربما توحي للقارئ أنه يقرأ قصة خيالية، كما أتجنب الصورة الثانية لأنها تضطرني لذكر الكثير من تفاصيل شخصية لا أرى مناسبة لذكرها هنا، وإنما أود أن يقرأها القارئ بين الأسطر لأنها تكشف له دقائق الاستعمار وتجلّي خططه في الصراع الفكري» (السابق 19 - 20) إلى آخر الكتاب في قوله معتذرًا عن ذكره مواقف لأشخاص لا زالوا على قيد الحياة: «هناك موضوعات محرمة قد أحاطها العرف بسياج من الاعتبارات التي لا تترك مجالاً كبيرًا للقول، لأن الناس الذين أشرنا إليهم في هذه الصفحات والذين تعرفنا عليهم ودرسنا مواقفهم العامة في بلاد مستعمَرة خلال ما يزيد على ربع قرن لا زالوا على قيد الحياة، ولولا ضرورات الصراع الفكري ذاته لما أشرنا إلى أحد، ولا ذكرنا تفصيلاً من التفاصيل التي تتضمنها تجربة شخص معين، ولكن الضرورات تبيح المحظورات. والأفكار ليست منفصلة عن عالم الأشخاص على طريقة مثَل أفلاطون، بل إن ملحمتها تجري كلها على الأرض حتى لا يمكننا مهما تحرينا من التجرد أن نفصل مغامرة فكرة عن مغامرة صاحبها فصلاً تامًا... هناك حقائق لا يملك النطق بها إلا من واراه التراب، كما أن هناك أقوالا لا تقال في كل الظروف.. فهذه الصفحات تعد إذن محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام» (السابق 133 - 134)، وما بين الأول والآخر في ثنايا الكتاب فانظر مثلا المواضع التالية: ١٩، ٢٠، ٣٦، ٣٧، ٤٦، ٨١، ٩٢، ٩٧، ١٠٧ هـ ١، ١١٢ [ هذا موضع مهم جدًا]، ١١٣، ١٢٢ هـ ١ [ مهم]، ١٣٢.
وينبه القارئ إلى أهمية استقباله للكتاب على أنه قصة أفكار وسيرة صراع فكري، ولذا عليه أن يتناول الجزئيات من خلال منظومة ملحمة متكاملة، يقول: «هذا ما يجب أن نراعيه بالنسبة لكل تفصيل يتصل بحياة الأفكار وبحركتها؛ بأن نقدّر حسابًا لكل جزئية تتضمنها ملحمة فكرة تكون حلقة من حلقات الصراع الفكري» (السابق 56)، كما ينبهه إلى ضرورة تناول الأفكار على أن لها «حياتها الخاصة ذاتها، بوصفها كائنات حية مستقلة» (السابق 101). ويبني ملاحظته ومراقبته لحركة هذه الملحمة الفكرية من خلال الأفعال (وهي ثلاثة كتب من كتبه التي وضعها في نقد الثقافة وتحليل مشكلاتها وأمراضها في البلاد المستعمَرة) وردود الأفعال؛ وهي التعليقات والمواقف التي تظهر من أطراف الصراع الأخرى سواءٌ أكانوا محافظين أم تقدميين أم الجهاز الاستعماري الذي يتحرك خفية في ميدان الصراع الفكري وربما وجه هؤلاء أو أولئك دون شعور منهم!. وبيان هذا في الجزء التالي.



