تجربة ثرية مختلفة غير تقليدية عندما تتصفح أوراق ومذكرات إنسان يحكيها بنفسه، من خلال كتاب مذكرات محمد الفيصل والذي سجله الدكتور خالد باطرفي الأستاذ بجامعة الملك فيصل، منذ أن فقد الأمير محمد الفيصل ذاكرته ومعها النطق والحركة في العاشرة من عمره بعد مرضه بالتيفويد، وظل عدة شهور في غيبوبة أفاق منها صفحة بيضاء نقية سجلت بكل دقة وسطرت بين دفتي الكتاب تاريخا دقيقا مختصرا كالموسوعة بالأحداث التاريخية السعودية والعربية بكل أزماتها وانتصاراتها منذ عهد جده الملك المؤسس عبدالعزيز
–رحمه الله –حتى انتقاله إلى جوار ربه.
ومحمد الفيصل القدوة الإنسانية التي تركت إرثا تاريخيا موثقا وإسهامات تجاوزت خريطة الوطن والمملكة إلى الوطن العربي بل وإلى العالم أجمع، وبث الفيصل للقارئ صورة عالم أجمل وأرقى مما انتهى إليه، رغم الحوادث العظام التي مرت بالأمتين العربية والإسلامية في تلك المرحلة، وخسارة قيادات تاريخية ساهمت في صناعة تلك الأحداث، كالملك عبدالعزيز والملك فيصل، وملك المغرب، الحسن الثاني، ورئيسي مصر، جمال عبدالناصر وأنور السادات، ورئيس وزراء باكستان، علي بوتو، ورئيس وزراء ماليزيا، تنكو عبدالرحمن، والزعيم الإسلامي الأمريكي، مالكوم أكس.
الأمير محمد الفيصل هو الابن الثاني للملك فيصل بن عبدالعزيز، والأميرة عفت الثنيان آل سعود، درس بمدرسة الطائف النموذجية التي أنشأتها والدته، ليسافر إلى الولايات المتحدة، ويتخرج من كلية مانيلو، سان فرانسيسكو، بشهادة بكالوريوس في الاقتصاد والإدارة عام 1963. ثم يلتحق بالبعثة الدبلوماسية السعودية في الأمم المتحدة، إضافة إلى دوره في التواصل مع إدارة الرئيس جون كنيدي.
العودة من الخارج
وعاد الأمير محمد الفيصل من الخارج في نهاية الستينيات الميلادية ليعمل في مؤسسة النقد، ثم ينتقل للعمل مع وزارة الزراعة 1965م، وبدأ في تنفيذ مشروعه الرائد «تحلية مياه البحر»، بدأ بأول محطة في جدة من تصميم أمريكي، وتطوير شركة استشارية انجليزية وشركة يابانية نفذت المشروع ليتحول الانتاج من 5 ملايين إلى 80 مليون جالون يوميا، وبعد نجاح المشروع بدأ تنفيذ 28 محطة تحلية منها 6 محطات على الخليج العربي والبقية على البحر الاحمر تمتد من مضيق العقبة شمالا الى جازان في جنوب المملكة وأنجزت كلها في الفترة من 1970م-1975م، وفي عام 1974م صدر مرسوم ملكي بانشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة كمؤسسة عامة مستقلة وعيّن محافظا لها.
رائد البنوك الإسلامية
استقال الأمير في نهاية السبعينيات من وظيفته كأول محافظ للمؤسسة العامة لتحلية مياه البحر ليعمل على تحقيق حلم آخر، هو البنوك الإسلامية التجارية، بعد مشاركته في إنشاء البنك الإسلامي للتنمية. واستطاع رائد الاقتصاد الإسلامي أن ينشأ شبكة فروع «بنك فيصل الإسلامي» في مصر والسودان والإمارات والبحرين وجنيف وباكستان وتركيا. وأسس وقاد أول اتحاد للبنوك الإسلامية. ولتشجيع البحث العلمي والدراسات التي تؤصل لنظرية الاقتصاد الإسلامي، أنشأ الأمير «جائزة محمد الفيصل لدراسات الاقتصاد الإسلامي.
وأدلى الفيصل بتعريفات دقيقة ومختصره في مذكراته عن الاقتصاد الإسلامي وتحريم الربا قائلا: «هناك مبادئ معينة في الاسلام تنبع من العقيدة ومن الشريعة تحكم ميكانيكية ما، وهذه الميكانيكية بدورها تحكم حركة الكون وتفاعل الإنسان معه، هذه المبادئ هي التي تحكم ميكانيكية وتفاعل الاقتصاد مع الكون بالمعنى الانساني لهذا التفاعل. ومن أبرز أقواله عن النظام الرأسمالي والشيوعي أنهما وجهان لعملة واحدة «فالرأسمالية بالنسبة لمحمد الفيصل نظامان لا نظام واحد: الاقتصاد الحر والاقتصاد المسير والأثنان مبنيان على الرأسمالية المادية فالنظرية الرأسمالية تؤمن أن الانسان هو الحاكم، أما الرأسمالية الشيوعية فهي مجرد حركة تصحيحية للرأسمالية.
أما المصارف الاسلامية فهي نجحت من ناحية التقنية أما الادارة فلا يزال ينقصها الكثير وستتقدم الادارة عندما يتخرج جيل جديد من الاداريين استقى علومه ومعارفه من منابع الاقتصاد الاسلامي، وبإقامة المؤسسات المالية الإسلامية التي عملنا على اقامتها ووقوفها على اقدامها وثبات فكرة البنوك الاسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية يكون دوري قد انتهى.
مدارس المنارات
وعلى خطى والدته، أنشأ الأمير محمد الفيصل مدارس المنارات، التي تميزت بالجمع بين التعليم والتربية على أسس حديثة مع المحافظة على الأصالة. وانتشرت المدارس في نسختيها العربية والأجنبية في مختلف أنحاء السعودية حتى بلغ عدد طلابها 18 ألف طالب وطالبة. وبعد وفاة والده الملك فيصل بن عبدالعزيز عام 1975، شارك الأمير محمد مع إخوانه في تكريم والدهم بإقامة مؤسسة الملك فيصل الخيرية، الذي يتبعها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وجامعة الفيصل، وجامعة عفت، وجائزة الملك فيصل. وللمؤسسة التي وضع لها عند تأسيسها رأس مال يقدر بمليار ريال، العديد من المشروعات الخيرية والعلمية والتعليمية داخل وخارج البلاد.
محمد الفيصل.. القدوة الإنسانية ورائد الاقتصاد الإسلامي
تاريخ النشر: 16 يناير 2017 03:04 KSA

A A


