مع انقضاء كل موسم من مواسم جائزة الثبيتي، التي درج النادي الأدبي بالطائف على تنظيمها سنويًا، أستشعر في داخلي جملة من الأحاسيس المتداخلة في حيز الرضا والإعجاب، تتوزّع ما بيني محبة لتجربة هذا الشاعر الكبير، وما بين إيقاظ جذوة الوفاء للمبدعين الراحلين، فضلًا عن تحريك الساحة الإبداعية بهذه المنافسة الشريفة في مجالاتها الثلاثة؛ التجربة الشعرية، والديوان الشعري، والدراسات النقدية، بما يشكل صورة متكاملة لحقل الشعر في سياق هذه المنافسة، وهو أمر يستوجب منا الشكر و»رفع العقال» لنادي الطائف الأدبي، وأتمنى لهذه الجائزة أعواما ثرة في كل مجالتها على مدى الأعوام.
وتقترن فرحتي هذا العام مع الجائزة، بما ضمنته عن الشاعر محمد عواض الثبيتي تحت عنوان «سيد البيد»، في كتابي الصادر حديث «إيقاع القوافي» ضمن سلسلة «بلابل العرب»، والذي دشنته في معرض جدة الدولي للكتاب مؤخرًا.. حيث أشرت في خواطري عن ذلك الشاعرـ بأن سيرته ترتبط عندي بتفاصيل معركة الحداثة في الساحة الأدبية السعودية، وما صحب تلك المعركة الشرسة من صراع بين جماعة الصحويين من جهة، والمنادين بالنهج الحداثي في الأدب من جهة أخرى.
وأشرت إلى أنه «كان محتمًا عليه أن يمضي في طريق مفخخ بالنوايا الراصدة لكل قصيدة يخرجها، فتقلب في ميزان التفسير، وتعرض على مجامر التأويل لتستلّ منها ما يوقف مدها، ويحجب تبرجها في ساحة الشعر والجمال، الأمر الذي كشفه عن الراحل الثبيتي في لقائه بالإعلامي تركي الدخيل ضمن برنامج «إضاءات» بقناة العربية يوم الجمعة 15 يونيو 2007م قبل رحيله بما يقارب السنوات الثمانية، حيث أشار الثبيتي في ذلك اللقاء إلى أن «معظم من عارض الحداثة لا علاقة له بالأدب وليس قارئًا جيدا له، وعلى رأسهم الشيخ الدكتور عوض القرني مؤلف كتاب الحداثة في ميزان الإسلام».
وقال أيضًا: «إن الذين هاجموا الحداثيين أرادوا أن يظهروا للناس أنهم ضد الدين ويسعون للتخريب».. وكشف أيضًا ما تعرض له من اتهام في العقيدة، قائلًا: «حين يكفرك شخص فإنه لا يترك مجالًا للحوار والنقاش».
وفي المقال نفسه أشرت إلى أن الراحل الثبيتي يعد رائدًا من روّاد القصيدة السعودية الحديثة، بما حملته قصيدته من تشكيل رمزي، تغتسل فيه المفردات المستعملة من أوضار القاموس الاعتيادي، وتشحن بطاقة شعرية وشعورية عالية، تنسجم بصورة تلقائية مع إيقاع النص في نسقه الموسيقى، بما يفتح للنص الشعري براحات التلقي المفتوح حسب سعة المتلقي وقدرته على محاورة النص، مفسحًا المجال أمامه بكل أريحية لإنتاج نصه الموازي، وفقًا لثقافته وقدراته المعرفية، الأمر الذي حرّك الشعر من حالة التلقي السالب عبر عملية التفسير المباشر، إلى التلقي الإيجابي المحرض على الأسئلة، والباعث على إعمال الخيال استمطارًا لما قبل النص، وما بعده، في حركة دؤوبة تجعل النص الشعري مسرحًا مفتوحًا قابلًا للتأويل والمساجلة المستمرة. كما يتعاضد مع هذه السمة البارزة في شعر الثبيتي سمة أخرى تتجلى في اتكاء تجربة الشاعر محمد الثبيتي على المضامين الأسطورية، وهي إحالة ترفد النص عنده بمغذيات تتطلّب قارئًا واعيًا ومدركًا، ولا تحتمل أي محاولة للتسطيح والمرور العابر.. وقدمت على ذلك شواهد من شعره كما في قصائده «تعارف»، و»قرين» و»وضّاح»، التي تبدو للوهلة الأولى حالة تحريض لمواجهة عسس النوايا، حراس الضمير، حيث يقول الثبيتي فيها:
صاحبي..
ما الذي غيّركْ
ما الذي خدّر الحلم في صحو عينيك
من لفَّ حول حدائق روحك هذا الشَرَكْ
عهدتك تطوي دروب المدينة مبتهجًا وتبث بأطرافها عنبرك
صاحبي..
هل ستهجس بالحب - بين اتساع الحنين وضيق الميادين -
لو طوقتك خيول الدرَكْ
هل ستوقظ أنشودة الروح في غابة الخيزران الأنيقة
لو أنكرت مظهرك
صاحبي..
لا تملَّ الغناء
فما دمت تنهل صفو الينابيع
شقَّ بنعليك ماء البركْ
غاية القول إننا أحوج ما نكون إلى تكريم مبدعينا الأحياء والراحلين على حد سواء بمثل هذه المسابقات، التي تعمل بشكل مزدوج، يختلط فيه الوفاء بالتحريض على مواصلة الإبداع، وهل الأدب إلا وفاء لقافية مضت، وانتظار لأخرى في رحم الإبداع تتخلّق!



