يدهشني المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، في كل موسم بقدرته على الصمود بروح التجديد والمواكبة، على الرغم من أن المساحة التي يتحرك فيها، وفق أهدافه التي من أجلها قد أنشئ، تبدو محدودة، ولا مفر
–لأي مهرجان شبيه له- من الوقوع في إسار النمطية والتكرار، ولكن هذا المهرجان استطاع أن يجعل من قيمة التراث، منطلقًا نحو آفاق رحبة، حيث جعلت التراث يجاور التطور في مساحة تمثل عالمًا تنفتح فيه البوابات، وتتجسر فيه المسافات بين الماضي بكل مذخوراته الرائعة، وبين الحاضر بما فيه من تحديات، والمستقبل وما تلوح فيه من بشارات التطلع المنضبط بالاستراتيجيات الواعية والحكيمة.
وعلى هذا فإن مهرجان الجنادرية اليوم يمثل بؤرة من شعاع مضيء، يتجاوز في تأثيره المحيط المحلي والإقليمي إلى العالمي، قياسًا على القضايا الكونية التي ظل يطرحها في حواراته وندواته، ومشاركة العقول العربية والعالمية في طرح الآراء المثمرة في جلسات النقاش، بما يعمق من حضور هذا المهرجان في الساحة العالمية، ويجعل منه بندًا ثابتًا في روزنامة الفعاليات العالمية الكبرى.
وما كان لهذا المهرجان أن يكون بهذه الأهمية لولا العناية الكبيرة التي يجدها من لدن قيادتنا الرشيدة، فقد ظل المهرجان في كل مواسمه السابقة يحظى باهتمام من قمة الهرم في حكومتنا الرشيدة، وتبذل من أجل نجاحه جهود مقدرة، مع حرص الجميع على استشعار روح المسؤولية بالتنافس على تقديم الأجود في كل مجال من مجالات المهرجان.. وهو أمر نتوقعه في موسم هذا العام أيضًا بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز –أيده الله - والجهود التي يبذلها الحرس الوطني، الذي أوكلت إليه مهمة تنظيم هذا المهرجان في كل مواسمه السابقة، فجاء العطاء كفء ثقة الاختيار، فأصبح المهرجان مناسبة وطنية تأخذ من التاريخ جذوتها، ومن الحاضر ضوءها، وترنو إلى المستقبل على بصيرة قارئة وعارفة، محققة في كل مواسمها تلك الأهداف والوضيئة التي وضعها المهرجان نصب عينه حين انطلقت دورته الأولى، والتي تتصدر موقع المهرجان على الشبكة العنكبوتية، وتتمثل في:
- التأكيد على القيم الدينية والاجتماعية التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ لتصور البطولات الإسلامية لاسترجاع العادات والتقاليد الحميدة التي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف.
- وإيجاد صيغة للتلاحم بين الموروث الشعبي بجميع جوانبه وبين الإنجازات الحضارية التي تعيشها المملكة العربية السعودية والعمل على إزالة الحواجز الوهمية بين الإبداع الأدبي والفني وبين الموروث الشعبي.
- وتشجيع اكتشاف التراث الشعبي وبلورته بالصياغة والتوظيف في أعمال أدبية وفنية ناجحة.
- والحث على الاهتمام بالتراث الشعبي ورعايته وصقله والتعهد بحفظه من الضياع وحمايته من الإهمال.
- والعمل على صقل قيم الموروث الشعبي ليدفع برموزه إلى واجهة المخيلة الإبداعية ليكون في متناول المبدعين خيارات من موروثاتهم الفنية بألوان الفن والأدب.
- وتشجيع دراسة التراث للاستفادة من كنوز الإيجابيات كالصبر وتحمل المسؤولية والاعتماد على الذات لتدعيمها والبحث في وسائل الاستغلال الأمثل لمصادر البيئة المختلفة.
- والعمل على التعريف بالموروث الشعبي بواسطة تمثيل الأدوار والاعتماد على المحسوس حتى تكون الصورة أوضح وأعمق، وإعطاء صورة حية عن الماضي بكل معانية الثقافية والفنية.
عودًا على بدء، إن مهرجان الجنادرية أصبح علامة مميزة في خارطة الثقافة والتراث السعودي، وموسمًا من مواسم الفكر، ومهرجانًا نكتشف فيه الأصالة، والوعي، والاستشراف، بما يحتم علينا جميعًا أن نكون جزءًا فاعلاً فيه، حضورًا ومشاركة، وتفاعلاً مع برامجه الثرية.



