القنوات الشعبية جاءت في فترة الانفتاح والتسابق على جذب المشاهدين في الفضاء المفتوح بعد أن انصرف المتابعون للمجلات الشعبية عنها، وبحثوا عن بديل يشبع رغباتهم يتواكب مع تقنية هذا العصر، تكاثرت هذه القنوات في مرحلة من مراحل انتشار الإعلام الفضائي الشعبي، الذي حرص على جذب المشاهدين إلى تراثهم وموروثهم الشعبي والشعري وتعريفهم بأهمية التراث والشعر والشعراء الذين يدعون أعلامًا في هذا المجال؛ لأن جيل التقنية لا يعرفون عن هذا التراث شيئا ولا عن شعر وشعراء المملكة الشعبيين شيئا، فبدأت تخطو خطواتها في عالم الفضاء حتى أقبل عليها محبو هذا المجال، ولكن المجتمع انقسم حولها بين مهاجم لها، مدعيًا أنها أضرت المجتمع بتأجيج التعصب القبلي وإفساد الذوق الشعري وبين مؤيد لها مشيرا إلى تقديمها رسالة مهمة للمجتمع ودور وطني كبير في تعزيز التلاحم ووحدة الصف وحفظ التراث والموروث الشعر في زمن المتغيرات.
في البداية أكد عميد كلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الأستاذ الدكتور عبدالله الرفاعي، أن ظاهرة القنوات الشعبية تعد ظاهرة إعلامية طبيعية، ولكن تحتاج للنضج والتوجيه، ووقوع بعض السلبيات يعد أمرا فرديا ولا يقلل من هذه التجربة الجميلة.. مبينا أن البيئة الاتصالية تتغير كليًا حول العالم وتفرز لنا تجارب مختلفة، وأن تجربة القنوات الشعبية لدينا تتطلب الدراسة والتطوير والتوظيف المناسب، وتعد أحد الروافد الاقتصادية في قطاع الإعلام، ولكن تحتاج التشريعات والأنظمة المناسبة من الجهات ذات العلاقة.
ومن جهته لفت أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود الدكتور حمزة بيت المال إلى أنه ضد القنوات الشعبية جملة وتفصيلا فهي قنوات ربحية جاءت لتعبئة فراغات كانت موجودة في المجتمع فهي بعيدة عن ثقافتنا، فهي لا تهتم بجودة المنتج، كما أنها قد أفسدت الذائقة الأدبية وخاصة الشعرية، وكذلك أججت العصبية القبلية، مما يضر بالوحدة الوطنية وأهمية التعايش المجتمعي، الذي بقي لفترة طويلة يعيش فيه الأفرد حالة كبيرة من الاندماج والتآلف والمحبة بينهم.
ومن جهة أخرى أشار عضو مجلس إدارة هيئة الصحفيين السعوديين ورئيس الهيئة الاستشارية لملتقى إعلاميي الرياض «إعلاميون» الدكتور سعود الغربي، إلى أن تجربة القنوات الشعبية تجربة محترمة ومقدرة فهي تمتلك شريحة كبيرة من الجمهور المحب للتراث والشعر والموروث الحضاري والثقافي الشعبي، وأن ما تقدمه يستحق التقدير.. مبينا أنه لا فائدة من عقد محاكمة لها أو إيجاد خلاف معها بأي شكل من الأشكال بل لابد من إيجاد توصيات يمكن تزويد القائمين على هذه القنوات بها لتضطلع بدور وطني أكبر ينمي أهمية التعايش المجتمعي ويعزز من اللحمة الوطنية.
فيما يرى أستاذ الصحافة بجامعة الإمام، الدكتور فهد العسكر، أن القنوات الشعبية قنوات قبلية، وأن هذا المسمى الصحيح لها، مبينا أنها تؤجج التعصب والعنصرية ولا يمكن أن تأتي في سياق اللحمة الوطنية ودعم الوطن.. منوها بأن هذه الممارسات التي تقوم بها هذه القنوات ستسهم في زعزعة التعايش المجتمعي وعدم تلاحم أفراده وإيجاد فجوات بينهم.
الدكتور خالد العييدي أوضح أن بعض القنوات الشعبية قدمت الموروث الشعري الشعبي أفضل من بعض القنوات العامة والخاصة ذات الإمكانات العالية، ولكنها لم تستطع أن تقدمه بالشكل الجيد، الذي قدمته القنوات الشعبية، بل إنها عرفت المواطن بكثير من مناطق ومحافظات وقرى وآثار ومعالم كثيرة موجودة في وطنه الكبير لم يتسن لها أن يراه أو يطلع عليها أو أن يسمع ويقرأ عنها لذلك قدمتها القنوات الشعبية كوجبة علمية ومعرفية له عن هذه الكنوز المعرفية الموجودة في بلاده، بل إنها أطلعت الكثيرين على أعلام الشعر في المملكة العربية السعودية، وحفظت الكثير من موروثهم الشعري، بل إنها تجاوزت ذلك بإعادة بعض القصائد، التي نسبت وعُرفت عند المجتمع أنها لشعراء بارزين، ولكنها صححت هذه الصورة بإعادتها إلى شعرائها الأصليين، وأطلقت المسابقات الشعرية، التي تسعى لتعزيز اللحمة الوطنية أو تلك التي ترتقي بالذائقة الشعرية وتظهر الشعر المبدع المطبوع من الشاعر المصنوع.. لافتا إلى أن حضورها حضور طبيعي ومهني لا يقلل منه الممارسات الفردية الخاطئة التي ظهرت في بعضها.
فيما رفض مدير إحدى القنوات الشعبية الإعلامي سلطان الحويماني إلقاء التهم ووصف القنوات الشعبية بأنها مؤججة للعنصرية أو أنها ضعيفة المستوى إنما هذه التهم صادرة من زملاء يدفعهم الحماس الأكاديمي أو المهني دون دراية أو متابعة حقيقة لمحتوى هذه القنوات، متحديا الجميع أن يقدم مشهدا واحدا يؤجج العصبية أو يطعن في الوحدة الوطنية.
وأضاف أن العاملين في هذه القنوات على مستوى من الاحترافية والوعي المهني، وأن منهم من أتى من القنوات التلفزيونية الرسمية أو من الصحافة، ومنهم من تخرج من هذه القنوات الشعبية وانضم للقنوات الاحترافية مثل الجزيرة أو العربية أو الأم بي سي وغيرها.. وطالب الجميع بأن يتابعوا القنوات بشكل مهني وعلمي ثم يقدمون نقدمهم وأن القائمين على هذه القنوات مستعدون لسماع ملاحظاتهم والأخذ فيها، رافضا إلقاء التهم جزافًا أو من دون اطلاع أو متابعة حقيقية.
كما أنها أسهمت في إبراز الجوانب الوطنية واللحمة الوطنية والتعايش المجتمعي من خلال تغطياتها للأحداث المعاصرة، التي تمر بها المملكة مثل تغطية الجنود البواسل في الحد الجنوبي، وكذلك المشاركات الشعرية المحفزة لهم.



