Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عاصم حمدان

علي خالد.. والدروب المسكونة بالأمل والألم

رؤية فكرية

A A
تعدُّ الكتابة واحدة من المهن التي تتطلّب من المشتغلين بها حضورًا لافتًا، ووجدًا محرقًا، كما يقول أرباب الطّريق والعارفون بأسراره، وقد تتسبّب لأصحابها بآلام ممضّة، وأسقام مزمنة، ولعلّ للحساسية المرهفة التي تنطوي عليها نفوس القوم هي الباعث القوي على ما يتعرّضون له من أمراض وعلل مفاجئة، ولعلّ هذا ما شعرت به عند سماعي لنبأ العارض الصّحي الذي ألمَّ بالصديق والصحافي القدير: علي خالد، ولقد عرفته منذ زمن النّشأة في طيبة الطيبة؛ فلقد كنت أبعث - آنذاك - بما يدخل في باب المحاولات الكتابية، فكان حفيًّا بها ومشجّعًا لنشرها، مثله في ذلك مثل المرحوم سباعي عثمان، وهاشم عبده هاشم، وكانوا جميعًا يعملون تحت إشراف أستاذ الجيل محمّد صلاح الدين الدّندراوي، الذي بثّ فيهم روح العمل الصحافي المتقن والمتناغم إعلاميًا مع تلك المرحلة، أي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات الهجرية، ثمّ تشاء إرادة الله أن أحلَّ نزيلاً في مدينة جدة، بعد عودتي من البعثة الدراسية، فتعرّفت عليه (علي خالد) عن طريق الإنسان الذي تمتزج في شخصه روح ابن الحارة مع نزعة فطرية وحنكة في فن الصحافة والكتابة الأدبية، أعني المرحوم الأستاذ محمّد صادق دياب، والذي كان من سمات شخصيته قدرته المتفردة على جمع الآخرين على اختلاف مشاربهم وتنوّع رغباتهم.

وكان العمدة «الدياب» - رحمه الله - على صلة قرابة بـ»علي خالد»، فتعرّفت عليه شخصيًا فوجدته إنسانًا بسيطًا وعميقًا في آن، بسيطًا في مظهره وعميقًا في ما يطرحه من آراء فكرية وصحافية، وهو يشترك مع الدياب في عدم الركون إلى السّائد، والتشوّف إلى الجديد؛ بدءًا من المجلس، والبشكة، مرورًا بالمظهر وانتهاءً بالطّعام، فهو ذوّاقة فيما يلبس ويحتسي من مشرب، ويأكل من طعام، ويبلغ مسمعك بأنّه سوف يحضر هذه المناسبة الإخوانية أو تلك، فتسرع الخطو إلى لقائه فإذا هو يدخل ويختار من المجلس آخره، ثم يبحث طامعٌ في الحديث معه، فيخبرك البعض بأنّه غادر المجلس.

وقبل مدة زمنية قد تطول أو تقصر زرته مع الصديق الأكبر علي حسون، فروى على مسمعي قصّة مؤثرة وهي أنّ الدياب طلب أن يلتقي معه في أحد الأماكن التي كان يحلو لأبي غنوة أن يرتادها، فاعتذر «علي» لظرف خاص به، فكان جواب الدياب، وكأنّه يستشرف الأفق: «نلتقي إن شاء الله في الآخرة يا علي». ثمّ لم يلبث أن اعتلَّت صحّته - أي الدياب -، ثمّ يسافر إلى بلاد الفرنجة يصحبه الإنسان الشّهم والنّبيل والشّاعر الكبير عبدالمحسن حلّيت، ثمّ يعود جسدًا محمولاً على أعناق الأحباب إلى مثواه في مدافن «أمّنا حواء».. وعندما سمعت الرواية من عزيزنا «علي»، وجدتني أغرق في دمع ينسكب على الرّاحلين، وعلى أولئك الآخرين من أرباب الكلمة الذين أوصدوا أبواب دورهم مردّدين في ألم وحرقة: «المجتمع دفّان».

ولعلّي أختم هذه الكلمات عن عزيزنا علي خالد بما سمعته عن الأستاذ صلاح وهو يرتّب أوراق مكتبه الأنيق، فلقد جاء اسمه على ألسنتنا فإذا بأبي عمرو يقول بصوت متهدّج: لقد كان علي أكثر حسًّا صحافيًا بين أنداده؛ نعم، لقد صنع «صلاح» جيلاً من الكتبة والصحافيين الذين احتلوا فيما بعد مكانًا عليًا في هرم الصحافة، وكان في مقدّمتهم الأستاذ القدير أحمد محمود.

تزامن العارض الصّحي الذي ألمّ بـ»علي خالد» مع اعتلال صحّة الأستاذ محمّد الفايدي الذي نشأ عصاميًا، واستطاع بمواهبه الصحافية وقلمه الجريء أن يساهم في زخم الساحة الصحافية والإعلامية، وكانت «اقرأ» الاستراحة التي اطمأن إلى المكوث فيها برعاية الدكتور عبدالله منّاع، وكذلك الحال مع الزميل الأستاذ ثامر الميمان، الذي كانت مقالاته النثرية في صحيفة «المدينة» تنبئ عن ميلاد كاتب قوي ومقتدر، ولعله من أبرع من كتب المقالة الصحافية في حقبة التسعينيات الهجرية.

هذه إطلالة سريعة على قدر بسيط من إنجازات «كُتّاب» مهّدوا الطّريق أمام الأجيال اللاحقة، وأناروا بالكلمة دروب الحياة أمام السّالكين والمريدين، ولعلّ المحطّات التي توقّفوا فيها وأنجزوا من منابرها ما أنجزوا من إبداع أدبي وصحافي تردّ إليهم شيئًا من الجميل وذلك بتكريمهم حتّى لا تنطبق على ساحتنا الفكرية والصحافية والإعلامية مقولة الأستاذ الراوية المرحوم محمّد حسين زيدان: «المجتمع دفّان».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store