Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
لمياء باعشن

روووعة وأخواتها: طغيان الإعجاب!

A A
في عصر الإنترنت والعالم التفاعلي أصبح لزامًا على المشاركين التعبير

كتابةً عن ردود أفعالهم تجاه ما يُكتب وما يُعرض وما يُغرّد به، فالكل يضع أفكاره ومداخلاته وصوره وينتظر وقعها على المتلقين لها في العالم الافتراضي سلبًا أو إيجابًا. في كثير من الأحيان يصبح ضغط زر الإعجاب [like] على صفحة الفيس بوك، أو رمز القلب على صفحات أخرى غير كافٍ للتعبير عن مدى الإعجاب، حينها يتم اللجوء إلى الكلمة الأكثر شيوعًا فييومنا هذا: (روعة). كل شيء أصبح روعة، فالكلام روعة، والصورة روعة، والقصيدة روعة، وتسريحة الشعر روعة، ونقش الحنة روعة، والأكل روعة...

لكن كلمة (روعة) تضيق بالإعجاب المتزايد عن الحدود المعتادة،لذا يبدًا المتلقي في استخدام إضافات ترفع من وتيرتها، من مثل تكرار حرف الواو من اثنين إلى ما لا نهاية، أو تشديد وقع الروعة بإضافة كلمات إليها لتصبح روعة جدًا، ومنتهى الروعة، وقمة في الروعة، وفي غاية الروعة، ثم روعة بالمررررة. وبذلك نشعر أن كلمة روعة في حد ذاتها، وعلى الرغم من شيوعها، قد ضعفت قدرتها على احتواء معنى الاعجاب الطاغي بالشيء، وأنها بحاجة إلى دعم من كلمات تجاورها وتساندها. هذا التصعيد في شحن الكلمة بمعانٍ أعمق صادر عن إحساس متصاعد بالإعجاب بالشيء لا يجد له كلمة تناسبه.

تحمل كلمة روعة معاني لها ارتباط بالهلع والخوف، فنقول: أدخل الروع على قلبه، أي أفزعه، وهدئ من روعك، أي اطمئن ولا تخف. الترويع هو التخويف، ففي الآية الكريمة: «فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ»، أي فلما ذهب عن إبراهيم الخوفُ الذي أوجسه. هذا الارتباط بين وصف كل ما جاوز حد الجمال المعتاد وأثار الإعجاب الشديد، وبين الرعب والهلع، يجعلنا ندرك أن كلمة روعة لا تبتعد كثيرًا عن سابقتها في التعبير عن الإعجاب، كلمة (رهيب) التي استُهلكت حتى اختفت. الأمر الرهيب هو كل ما يُخاف منه، وأرهب فلانًا أي أفزعه. وفي نفس السياق كان استخدام الكلمة الأسبق لوصف الإعجاب وهي كلمة (فظيع)، فهي إن دلّت على الشناعة والقبح، إلا أن دلالات الرعب ما زالت من خصائصها، فإن أفظعك الأمر فقد هالَك وأخافَك.

الجريمة مُروّعة، والمجزرة رهيبة، والحادث فظيع، لكن إعجابنا بما يخرج عن حدود المعتاد يهزّنا بالمثل ويخرجنا إلى فضاءات مجهولة ومزعجة تجعلنا في حالة من الضياع المخيف. الجمال حتمًا يسبي العقول، لذلك يعجز المرء عن أن يستوعبه، فيصفه بأنه جمال يجنن، ويأخذ العقل ويهبل ويخبل ويهوس. الشعور بالإعجاب الشديد يربك العقل، ويعقد اللسان عن وصف حالة الافتتان، فيبقى المرء مبهوتًا في لحظة انعدام توازن لا بد أنها مرعبة،ومن هناك ولدت الأخت الجديدة لرووعة، وهي (خوورافة).

لطالما وُصفالفنانون وما ينتجونه من جمال بالكذب، وبالجنون، وبالسحر، وبالأسطرة الخرافية، فكل إبداع هو اختراق للمألوف يجذب ويُنفّر في آن واحد، والإعجاب انجذاب، والخوف نفور. الإبداع ابتكار لغير المسبوق، شيء جديد لا نعرفه، إحساس جديد لم نتعوّده، فكرة جديدة لا مسمى لها في قواميسنا، تعجبنا نضارتها وانتعاشها، وتخيفنا الأبعاد التي وصلتها وتحاول أن ترفعنا إليها.

الجمال الذي يعجبنا هو ذلك الابتكارالذي يسحرنا بطرافته وحداثته، وهو الذي يروّعنا بغرابته وبفرضه أنماطًا مختلفة خارجة عن سياقات تفكيرنا المعروفة. كل الأشخاص والكلمات والأفكار والأشكال التي نقف أمامها مأخوذين مبهوتين تثير في أنفسنا شعورًا طاغيًا بالامتلاء وتنبهنا لفراغات كانت بداخلنا وما عادت. في هذه الحالة من التلقي للجمال نحن لا نصفه هو بالجميل أو الفاتن أو البديع، بل نصف وقعه على أنفسنا المأسورة وألبابنا المخلوبة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store