Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

السعودية.. ومواعيد التاريخ

A A
مع زيارة الملك سلمان التاريخية إلى آسيا، بكل دلالاتها الاستراتيجية. وبعد القرارات والممارسات الاستثنائية التي شهدَ عليها العالم في السنوات القليلة الماضية. يبدو أن كل شيءٍ في السعودية في طريقه إلى أن يتغير لما فيه مصلحة الوطن والمواطن. ستكون ثمة تحديات، ومراحل، منها ما هو صعبٌ وفيها ما هو أسهل. ولن يحدث الأمر بين يومٍ وليلة. وسيحتاج إلى مقادير من الصبر والمشاركة بين السلطة والمواطنين.. لكن قطار التغيير تحرك.. باختصار. يبدو الأمر، تذكيرًا بمواعيد، خاصة للسعودية مع التاريخ.

وفي إمكانية وجود الاستثناء لكل شيء في حال الفائدة. يستميح المرء الجريدة وقراءها عذرًا في إعادة نشر أول مقال نشرتُه في (المدينة) منذ سنوات طوال. كان وقتها من القلب، وكنت ولا أزال أرجو أن يصل إلى القلوب. وأن يُقرأ بتمعن وهدوء.

قَدَرُ السعودية أن تبقى على موعد مع التاريخ.

وطال الزمان أو قصر. يظهر أن هذه البقعة من الأرض ستبقى شاهدةً على ذلك التحدي الفريد في مسيرة التجربة البشرية: تفجير الكمون الإنساني لصناعة مستقبلٍ، ينبثق من الماضي بشكلٍ أو بآخر، لكنه يبدو وكأنه لا يمتُّ له بصلةٍ على الإطلاق.

حدث هذا سابقاً. في نفس هذا المكان. وتغيّر يومَها وجهُ التاريخ إلى الأبد.. سمِّها خصوصيةً. سمِّها مسؤوليةً. سمِّها قدرًا. سمِّها ما شئت. وهي ستبقى في النهاية كل ذلك. لكنها ستظل تحديًا إنسانيًا بامتياز. تحدي القدرة على الولادة الجديدة.. تحدي تحقيق (الطفرة) التي تحصل في التاريخ الإنساني عندما (يقرر) الإنسان أن ينفكَّ من قيود واقعه. ويحرر نفسه من أوهامه. ويؤمن بإمكانية تحقيق أحلامه. الطفرة التي تظهر عندما يغادر ذلك الإنسان محطة (الانتظار).

سيصعب على البعض (هضم) مثل هذا الطرح. وقد يرى فيه البعض الآخر نوعا من الحنين الرومانسي إلى الماضي الجميل. لكن ما يفوت هؤلاء هو القراءة العميقة لحجم الخصوصية، بل الخصوصيات، التي اجتمعت لتؤهل هذه المنطقة من العالم لتكون شاهدةً على التحدي الذي نشير إليه.

استخدم أي قراءةٍ تختارها. ستصل إلى النتيجة التي نتحدث عنها.

بالقراءة التاريخية. يظلُّ ثابتًا أن هذا البلد هو منبت (العروبة) ومهد (الإسلام). كلمتان أصبحتا في قلب صناعة الحدث العالمي الراهن. وما على الذي يتساءل حول طرحنا إلا أن يفكر بشيء من الهدوء في معاني ذلك ودلالاته.

بالقراءة الاقتصادية. يظل ثابتاً أن أرض هذا البلد تحوي الخزين الأكبر من وقود الاقتصاد العالمي المعاصر: (البترول). قد يدرك بدقةٍ ما يعنيه هذا بالنسبة للسعودية وللعالم مَن يقرأ ما يُكتب من تقارير ودراسات.

بالقراءة الدينية. يظل ثابتًا أن في هذا البلد الحرمين الشريفين. وأنهما سيبقيان مهوى أفئدة المليارات من بني البشر. بكل ما يحمله ذلك من مسؤولياتٍ وتشريف.

وبحسابات الجغرافيا/ السياسية. يظل الموقعُ الاستراتيجي للسعودية ثابتاً لا يمكن زحزحته. في قلب الشرق الأوسط. من حولها بلاد الشام ودول الخليج و(العراق) و(إسرائيل). على مرمى حجر من (إيران) وقناة السويس ومضيق باب المندب. تفصلها بعض الأمواج عن دول حوض وادي النيل. دولٌ ومناطقُ يعرف حساسيتها في السياسات الدولية كل من يعرف شيئًا عن السياسة.

هكذا يتشكل التحدي الفريد. مع اجتماع جملةٍ من (الثوابت) يمكن أن يجادلَ في دلالات وجودها من يشاء. دون أن يغير ذلك ذرةً من وزنها الحقيقي في عملية صناعة الواقع الإنساني على المدى المنظور.. لهذا يصبح ضروريا أن نفهم حجم وطبيعة التغيير الذي يجري في المملكة.

صحيح أن العالم بأسره يتغير.. لكننا في المملكة بإزاء عملية انفتاح كبرى جاءت بعد عقود من (الاستقرار) على تفسيرٍ محدد للهوية الثقافية، وإطارٍ معين لطبيعة التركيبة الاجتماعية.. ورغم التغييرات التي حصلت في العالم الخارجي خلال تلك العقود. إلا أن الظروف الاقتصادية والسياسية، المحلية والإقليمية والعالمية، ساعدت في تخفيف تأثير تلك التغييرات على المجتمع السعودي إلى درجةٍ كبيرة.

لكن هذا تغيَّر في السنوات القليلة الماضية. حيث تشكّلَ في المملكة وعيٌ متقدمٌ للظروف الدولية المستجدة. ولحقيقة أن التعامل معها يقتضي انفتاحا على العالم. تأتي معه بالضرورة تحدياتٌ لابد من مواجهتها. ربما يكون الحديث عن تلك التحديات سهلا. لكن ما ليس سهلا على الإطلاق هو الاتفاق على طريقة التعامل معها، ثم مواجهتها من خلال برامج عملية. ففي مجتمعٍ شديد الحساسية تجاه كل ما يتعلق بالهوية الثقافية وبالتركيبة الاجتماعية، يصبح ممكناً بسهولة لدى البعض، ومغرياً لدى البعض الآخر، النظرُ إلى أي أسئلةٍ في تلك المجالات على أنها تستهدف أصلَ الهوية وأصل التركيبة الاجتماعية.. في حين أن هذا قد يكون أخطرَ خطأٍ يرتكبه مجتمعٌ من المجتمعات.

ثمة ظروفٌ تسمح اليوم في السعودية بتداولٍ مجتمعي وحوار ٍثقافي حول طبيعة التغيير ودرجته وأبعاده. ليتشكّل واقعها المعاصر بإرادتها وإرادة أهلها، في إطار خياراتٍ تليق بإنسانيته.

الأملُ، كلُّ الأمل، أن لا يزهد أهل هذا البلد في (الخيار) المطروح عليهم. والأهم من ذلك. أن لا يخلفوا موعدهم وموعد بلادهم مع التاريخ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store