Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
لمياء باعشن

المتحف الشعبي وقارورة الكوكاكولا

A A
يأخذنا عالم (السناب شات) إلى مناطق لم نزرها من قبل،

من خلال تغطيات تتَّسم بالبساطة والاعتياديَّة، ولا تهتمُّ بالحرفيَّة، ولا بالانضباط التقني، ولا بمقصَّات الرقيب. في الأراضي السعوديَّة، هناك مناطق جميلة وثريَّة بتاريخها وتراثها، تفتح أبوابها للزائرين دون حرجٍ ولا تكلُّفٍ. وقد لفت انتباهي أنَّ في كلِّ منطقة من هذه المناطق -تقريبًا- يوجد من بين سكَّانها شخصٌ مهمومٌ بالماضي الذي ذهب، ومتشبثٌ بآثارِه التي تركها من خلفه، شخصٌ ما قضى حياته، وصرف مالَه في جمع تلك الآثار وترتيبها، والعناية بها، ثمَّ في تعيين مساحة ما في بيته لحفظها، والزهو بها.

هذه ثروةٌ وطنيةٌ مبعثرةٌ هنا وهناك، ومتروكةٌ تمامًا للجهودِ الفرديَّة، وللحرص الشخصيِّ، وربما مع قيام هيئة السياحة، وتنشيط الحركة السياحيَّة سيبدأ الاهتمامُ الرسميُّ بهذه الكيانات المتفرِّقة، وبمحتوياتها القيِّمة، لتأخذ سمة المتاحف بشكل صحيح. ربما قد حان الوقت لجمع الشتات قبل رحيل جيلٍ يحملُ الحنينَ والتقديرَ لما تمَّ جمعه، وقبل وقوعه في يدِ ورثةٍ لا يعرفون له قيمةً، فيهملونه، ويبعثرونه، حيث يتعذَّر الحصول عليه. في المتاحف يستطيع الخبراءُ أن يُصنِّفوا تلكالمقتنيات، وأن يعطوها معناها الثقافي بموضوعيَّة، فالجهود الشخصيَّة تنحصر في الجمع والتخزين، ولا تدرك إن كانت هذه القطع تشكِّلُ فعلاً تراثًا شعبيًّا محليًّا، أم أنَّها قطعٌ قديمةٌ وحسب.

أقول هذالأنَّني لاحظتُ أنَّ معظم هذه الغرف التجميعيَّة تحتوي على قوارير قديمة للكوكاكولا في صناديقها المتراصَّة، وداخل ثلاجاتها التي كانت توضع فيها مع ألواح الثلج. ربما لن أتمكَّنَ من توضيح استهجاني لهذا المنظر، لكنِّي أعرفُ جيدًا معنى قارورة الكوكاكولا كرمز ثقافيٍّ أمريكيٍّ بالتحديد.. هناك، هذه القارورة هي أقوى أيقونة ثقافيَّة أمريكيَّة، وهي بداية اقتحام العالم بمنتج استهلاكي غريب من نوعه، فهو ليس عصيرًا، ولا لبنًا، بل مشروبٌ مرطبٌ ومنعشٌ، مشروبٌ أسود مُسَكّرٌ، طعمه لا يشبه ما قبله، وبه صودا تفور.

وعلى غرابة المنتج، إلاَّ أنَّه انتشر حول العالم بسرعة فائقة، وأحبَّه الصغار والكبار، وتعالق مع المناسبات الاجتماعيَّة الخاصَّة والعامَّة. لم تكن هناك مقاومة، ولا رفض، بل دخلت الكوكاكولا إلينا، وإلى غيرنا هكذا، باسمها الذي لم يُترجم، وفرضت وجودها كمحتل مسالم، فهي مشروب ناعم (سوفت درينك)، حتَّى أنَّ بعض الدارسين يسمون الظاهرة بـ(الكوكولوناليَّة Cocacolonization). ظهر هذا المصطلح في فرنسا عام 1949، حيث اعترض الحزبُ الشيوعيُّ الفرنسيُّ على تمدد الكوكاكولا فيالرقعة الفرنسيَّة؛ خوفًا من تسرُّب المالِ الفرنسيِّ إلى الجيبِ الأمريكيِّ، كانت الكوكاكولا قارورةً تحملُ أمريكا بداخلها إلى العالم، أمريكا بإمبيرياليتها المقنعة، وبخطتها لتجذير الرأسماليَّة العالميَّة.

ولكنَّها هي ثقافة الكوكاكولا التيتروِّج لأسلوب حياة مختلف، فمنذ بزوغ مشروب العصر في الأربعينيَّات من القرن العشرين، توالت قائمة المنتجات التي وحَّدت طرق الملبس، والمأكل، واللهو، والعادات، والتفكير، فمن جينز ليفايز الأزرق، إلى سندويتشات الهامبرغر، وإلى الروك أند رول، ومن ماكدونالدز إلى ستاربكس. منذ أربعينيَّات القرن الماضي وحتَّى يومنا هذا تظل تنهال علينا فيضانات من المنتجات الاستهلاكيَّة الأمريكيَّة، ثمَّ غيرها من دول العالم، حتَّى ما صار لنا حاجة ولا وقت ولا إمكانيَّة للإنتاج المحلي، منتجات تُحدد استخداماتها فتتغيَّر معها عاداتنا، وطرق معيشتنا؛ لنصبح مستهلكين طائعين مسخرين وعاجزين، مستهلكين ناسخين مقلدين.

في الغرف الصغيرة المخصَّصة لحفظ التراث الخاص بنا، هناك أدوات صنعناها لتكفي احتياجاتنا، قطع من أرواحنا وخيالنا استعملناها وزيَّنا بها جدران بيوتنا التي بنيناها بأيدينا لتناسبنا وتناسب أجواءنا. لذلك حين تطالعني تلك القوارير القادمة من خلف المحيطات، تستهجنها عيناي، ويرفضها يقيني بأنَّها دخيلة على ثقافتنا المحليَّة، وفارضة لنموذج حياة مغايرة، وتخلق تنافرًا بين مقتنياتنا الأثريَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store