أمران أساسيان إذا تحققا للإنسان فهو في نعمة عظيمة، ألا وهما الأمن الغذائي والأمن المائي، «الخبز والماء»، وما زاد عن ذلك فهو فضلٌ من الله. وقد عملت هذه الدولة المباركة منذ توحيدها على يد المغفور له -بإذن الله- الملك عبدالعزيز -رحمه الله- على توفير الماء في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، والتي تعاني من شح المياه وقلة مصادرها، فقد بذل جهوداً كبيرة لتوفير الماء للمناطق الأشد جفافاً، مثل مكة المكرمة ومدينة جدة التي كان سكانها يُعانون الأمرين للحصول على قطرة ماء نظيفة، تسد رمقهم من لهيب العطش أيام الصيف والجفاف.

كان في جدة آنذاك جهاز تقطير (كنداسة)، أنشأتها الدولة العثمانية عام 1325هـ لتزويد جدة بالمياه، ولكنه كان جهازا صغيرا ولا يفي باحتياجات السكان، وكان يُوفِّر الماء للأغنياء فقط في جدة، أما متوسطي الحال والفقراء فقد كانوا يعتمدون على مياه البرك، والصهاريج، والمياه الأقل جودة التي كانت تُخزَّن في البيوت، مما تبقَّى من مياه الأمطار.

بعد توقف أداء الكنداسة العثمانية أمر الملك عبدالعزيز بإحضار جهازين لتقطير مياه البحر من بريطانيا لتغطية عجز المياه في جدة وتوفيره بأقل الأثمان لعامة الناس، بعد ذلك أمر باستقدام خبراء من أمريكا لتقييم الوضع المائي في مكة المكرمة وجدة، وكيفية توفير المياه لهما من المناطق الغنية المحيطة بهما، وعند وصول الخبراء كتبوا تقريرا مفصلا عن أوضاع المياه في المنطقة، وأن الوفرة المائية موجودة في عيون وادي فاطمة (منطقة الجموم)، وهي منطقة غنية جدا بالمياه العذبة التي يمكن أن تُزوِّد جدة ومكة بكميات كافية من المياه.

فكرة مشروع العين العزيزية، وهو إيصال الماء إلى مدينة جدة تم في عهد الملك عبدالعزيز، وأُكمل عام 1367م في عهد الملك فيصل -رحمهما الله- وقد وجه الملك عبدالعزيز بعمل أوقاف عظيمة لها، ورصد لها مساحات كبيرة من الأراضي حتى يضمن استمرارية جريانها «كصدقة جارية»، لتزويد جدة بكميات وفيرة من المياه.

خدمت العزيزية مدينة جدة ردحاً من الزمن يزيد عن نصف قرن وبكفاءة عالية، وسدّت احتياجات السكان (على الأقل في تلك الفترة) حتى توسَّعت جدة وزاد عدد سكانها حتى بلغ الملايين، مع انخفاض واضح في مناسيب مياه عيون وادي فاطمة نظراً لشدة السحب الواقع عليها، وبدأ العطش يُداهم جدة، ومن هنا بدأ التوجُّه للتوسع في تحلية مياه البحر كمخرج أساسي لتوفير المياه العذبة لعامة الناس، ومواجهة الطلب المتزايد على مياه الشرب العذبة الزلال، وتغطية الاحتياجات البشرية والصناعية حتى ينعم الجميع بإكسير الحياة.

لنا أمل في إدارة العين العزيزية «وقف الملك عبدالعزيز» والقائمين على إدارة شؤونها أن تستثمر أموالها غير المستثمرة في إنشاء محطات تحلية حتى ولو كانت صغيرة توجِّه منتجاتها وبأجور رمزية للأحياء الفقيرة في جنوب مدينة جدة، ووسطها، وشرقها، حتى تُحقق أمنية الملك الصالح -غفر الله له- وأن تستمر الصدقة باسمه حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، وضمان استمرارية ما دأب عليه أبناؤه الملوك -رحمهم الله- وتحقيق تطلّعات الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- بالحفاظ على هذا المرفق الحيوي المهم وديمومته كصدقة جارية باسم مؤسس هذا الكيان، طلبا للأجر والمثوبة من الله.