كثيرًا ما يستعين القطاع الخاص، أو القطاع العام عندنا، ببيوت الخبرة العالميَّة؛ لحلِّ المشكلات الإداريَّة، أو الهيكليَّة، أو التخطيطيَّة. وهذا شيء لا غبار عليه، وتمارسه كثيرٌ من القطاعات الحكوميَّة والخاصَّة في دولٍ كثيرةٍ. كما أنَّ تلك البيوت العالميَّة لديها كنزٌ من الخبرات الإداريّة والفنيَّة المتراكمة لحلِّ معضلات متنوِّعة في الإدارة، وفي التخطيط، وفي سواهما، سواء أكان ذلك في هذه البلاد، أم في بلدانٍ كثيرةٍ حول العالم.
لذا ليس من العيب، أو الغريب الاستعانة بالمؤسَّسات الاستشاريَّة المؤهَّلة المعروفة لحلِّ الاختناقات الإداريَّة، أو لتصميم البرامج والمشروعات التخطيطيَّة، أو لإعادة الهيكلة التي تتماشى مع متطلبات العصر، وتحفظ للجهات المعنيَّة إمكاناتها الماليَّة والرأسماليَّة والبشريَّة دون تبذير، أو إعاقات، أو إهمال، أو تخلُّف عن ركب الحاضر، بجميع أدواته التِّقانيَّة والتطويريَّة، وحلولها المعرفيَّة.
بيد أن المنتج الاستشاري لبيوت الخبرة العالميَّة مُعرَّض لعدم الفهم مع صعوبة تطبيقه على أرض الواقع. وليس ذلك لأنَّ المنتج سيئ، وبه عيوب فنيَّة، ولكن لأن المنتج قد صُمِّم في ثقافة مختلفة، تعكس ثقافة مصمِّميه الغربيين -على سبيل المثال- وسلوكياتهم في أماكن العمل، أو في شتى مناحي المجتمع بشكلٍ واسعٍ. فالمنتج الغربي مثلاً، يحمل في طياته الثقافة الغربيَّة، ومَن أراد تطبيقه في أيِّ مجتمعٍ، أو على أيِّ هيكلٍ إداريٍّ في مجتمع له ثقافة شرقيَّة -سواء في المملكة، أو في سواها- فلن يحظى بالنجاح التام، حيث سوف تترصد به معوِّقات بارزة، سواء أكان ذلك في الهيكلة، أم في الإدارة نفسها، أم في الفهم الإداريِّ، تفرضها اختلاف الثقافتين الشرقيَّة والغربيَّة لا محالة، ولن يتم تجاوزها.
من أجل ذلك فإنَّ الاختلاف في الثقافات، قد يبرز حالات واضحة من الفشل، أو التشويه عند تطبيق المنتج الاستشاري على أرض الواقع. ويظن كثير من الجاهلين أو رافضي التغيير بأنَّ بيت الخبرة قد خدعهم وزوَّدهم بمنتج لا يُلبِّي كافَّة احتياجاتهم، مع أنَّ المسألة غير ذلك.


