Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عاصم حمدان

سلوكيَّات رفيعة فقدناها في خضم الحياة الماديَّة

رؤية فكرية

A A
* تكتسح الثَّقافة الغربيَّة حياتنا بصورة لافتة، وخصوصًا فيما يتَّصل بالجوانب الاجتماعيَّة. ففي الزَّمن البعيد نسبيًّا تتقاربُ المنازل، وينعكس ذلك على صلة النَّاس ببعضهم البعض، فإذا ما غاب أحدُ أفراد الحيِّ لسببٍ من الأسباب، رأيتَ مَن يطرق الباب، ويسأل عن ربِّ الدَّار، وعن أحواله، وإذا ما أحسَّ الجيرانُ بأنَّ عارضًا صحيًّا قد أصابه، تسابقوا إلى زيارته، وإشعار أهله وأبنائه بأنَّهم -أيضًا - في منزلة الأب الغائب، أو المريض، وإذا ما كان الأبُ يعمل خارج المدينة، أو في ضواحيها، كانت سيِّدة الدار -كما أتذكَّر- وهذا أمر يعود إلى ما يقرب من ستين عامًا أو أكثر، نعم.. لقد كانت المرأة تضعُ ما كنا نطلق عليه مسمَّى «الزنبيل» المصنوع من خصف النخيل عند باب المنزل، وبداخله شيء زهيد من المال، فيمرُّ أحد الجيران ويلتقطه، ويذهب إلى السوق، ويشتري الحاجات الأساسيَّة لمنزل الجار الغائب، ثمَّ يأتي به ويطرق الباب طَرْقاتٍ خفيفةً، وإذا ما أحسَّ بقربظِلِّ امرأة، أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى؛ احترامًا، وعفَّةً، وورعًا، ثمَّ يرفع صوته قائلاً: الله يرجِّع أبا فلان بالسلامة.

* ويعدُّالجارُ حرماتِ جارِه أمرًا مقدَّسًا، وكان ما نطلق عليه ابن الحارة، إذا ما رأى شخصًا غريبًا على الحيِّ تأكَّد من سلوكيَّات هذا الإنسان الغريب، ويقوم بالأمر نفسه عمدةُ الحيِّ الذي يعرفُ سكَّانَ كلِّ حوش، أو زقاق، ويؤازره في ذلك مَن كنَّا نسمِّيهم بـ»العسس»، الذين يحرسون الأحياء من بعد صلاة العشاء حتَّى حلول وقت الفجر، وإذا ما حلَّ مرضٌ بأحدِ أفراد الحارة، أو الحيِّ فإنَّ أبناء الحي يتسابقون إلى دعم جارهم ماديًّا ومعنويًّا من دون أن يشعروه بأنَّهم في وضع المتفضِّل عليه.

* ويجب أنْ نعترفَ بأنَّنا عجزنا عن ترجمةهذه السلوكيَّات الرفيعة، وأمثلتها المضيئة، أو قُل نقلها للأجيال المعاصرة، فأضحينا نسمعُ ما يهول مثل: الاعتداء على الوالدين بالضرب المبرِّح، أو القتل، أو مَن يدفع بأحد والديه إلى دُور الرعاية الاجتماعيَّة، متغافلين -في قسوة وغلظة شديدتين- بأنَّ الإنسان لا يمكن أن يوفِّي حقَّ مَن كانوا -بعد الله- سببًا في وجوده في هذه الدار.

* أعودُ لما افتتحتُ به هذه المقالة، بأنَّسلوكيَّات من الحضارة الماديَّة الغربيَّة قد أثَّرت على حياتنا الاجتماعيَّة بصورة، أو أخرى، وإذا كانت الحضارة الغربيَّة -بسبب الانفصال فيها بين الجانبين الماديِّ والروحيِّ- قد عرفت ضروبًا من هذه السلوكيَّات الماديَّة المحضة، فإنَّه في المقابل تمتلئُ حضارتنا العربيَّة والإسلاميَّة بالشواهد والأدلَّة على ثرائها الروحيِّ الذي أشاد به بعضُ الفلاسفة والمفكرين الغربيين، حيث يذكر المفكرُ البريطانيُّ أرنولد توينبي ArnoldToynbee ، في أحد كتبه بأنَّه «باستطاعتنا أن نميِّزَ بعض مبادئ الإسلام التي إذا طُبِّقت في الحياة الاجتماعيَّة للبروليتاريا العالميَّة الحديثة، يمكن أن تأتي بنتائج حسنة مفيدة لهذا المجتمع الكبير في المستقبل القريب».

* إنَّنا في أمسِّ الحاجةِ للعودة إلى المنابع الروحيَّة للدِّين الإسلاميِّ الحنيف؛ لنستقي منها ما يمكن أن يساهم فيما اعوجَّ من حياتنا وسلوكيَّاتنا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store