Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
لمياء باعشن

مَن يُحدِّد أولويات الآخرين؟!

A A
ما أن أبدتْ عضو مجلس الشورى الدكتورة أسماء الزهراني، رأيها في قضيَّة قيادة المرأة للسيَّارة، حتَّى اشتدَّ النقاشُ بين المؤيِّدين والمعارضين للمرَّة المليون، وكالعادة اشتعل «تويتر» بالتغريداتِ، وبالهاشتاق قيادة_المرأة_ترف، وتمَّ نشر عددٍ من المقالات التي تنتقدُ موقف عضو الشورى، خاصَّةً وأنَّها امرأةٌ، في عدم تعاطفها مع قضيَّة تمسُّ حياة النساء بشكل مباشر.

تقول الدكتورة أسماء، في تصريحها لجريدة الوطن: «التَّوظيفُ هاجسٌ، والمرأةُ تحتاجُ للتَّوظيفِ والإعالةِ»، أمَّا قيادتها لسيَّارتها فـ«في ذيل أولويَّاتي»، وتُعتبر «في الوقت الحالي ترفًا من وجهة نظري». وأضافت: «مَن ترغب في المطالبة بقيادة السيَّارة، فعليها المطالبة بذلك، لكن.. أنا أخالفُ عضواتِ «الشورى» اللاتي يطالبن بالقيادة، وجعلها في المقدمة والأولويَّات».

والحقيقة أنني حاولتُ أن أغضب من تصريح الزهراني، كوني امرأة تشعر بالمعاناة اليوميَّة من جرَّاء الاعتماد المُكبّل على السائق، لكنَّني لم أجد في نفسي غضبًا. صحيح أنَّ هذا الرأي لعضو مجلس شورى مستفز؛ لأنَّها في موقع مسؤول، وهو رأي يعوزه المنطق في جزئيَّة المناداة بأولويَّة توظيف النساء، ثمَّ التَّغاضي عن صعوبات، ومعوِّقات وصولهنَّ إلى تلك الوظائف، إلاَّ أنَّ المفردات التي استخدمتها في التعبير عن رأيها تُخرجها من دائرة الملامة. استوقفتني مفرداتها التي عبَّرت بها عن موقفها الشخصيِّ، ففي تصريحها تظهر كلمات مثل: «أولويَّاتي»، و»من وجهة نظري»، و»أنا أخالف عضوات الشورى»، و»مَن ترغب بالمطالبة بالقيادة فعليها المطالبة بذلك».

خطابُ الدكتورة شخصيٌّ وأنَويٌّ وخاصٌّ بها، فهذا رأيُها وموقُفها، ومن الإجحاف أن نلومها على طريقة تفكيرها ونُملي عليها ما نراه صحيحًا. إن كنَّا نرى أن ليس من حقِّ هذه العضو الشوري أن ترتبَ لنا أولويَّاتنا، فكيف يجوز لنا أن نُحدِّد لها أولويَّاتها؟ هي تعلم جيدًا أنَّ هناك مَن يرغب بالمطالبة بالقيادة، وهي لم تعارض حتَّى عضوات الشورى، وإن خالفتهنَّ، فمن حقهنَّ وحق غيرهنَّ أن يثابرن على تحقيق مطالبهن بنفس الحماس الذي ستتحرك به في اتجاه تحقيق مطالبها.

وهل نتوقع فعلاً أن أسماء الزهراني تتحدَّث فقط عمَّا تراه هي وحدها في هذا المجتمع، أم أنَّها تتحدَّث بلسان شريحةٍ واسعةٍ من النَّاس الذين يشاركونها ذات الرأي، ويعضدون ذات الجانب من القضية؟ أقول هذا وأنا لم أستشف في تصريحها معارضةً واضحةً لقيادة المرأة للسيَّارة، فهي تفاضل بين القضايا، وتفضِّل إرجاء واحدة إلى حين تحقيق الأخرى. من وجهة نظرها هنالك أمر مهم، يسبقه أمر أهم، ولنا ألاَّ نتفق معها.

إنَّ فكرة تراتبية الأولويَّات، بمعنى أن علينا جميعًا أن ننحاز لأمر ما، ونحققه أولاً، هي فكرة ساذجة، وغير عمليَّة، فالأمور كلها تبقى متوازيةً، وعلى حدٍّ واحدٍ من الأهميَّة لجماعات من الناس يستحيل توافقهم. الفكرة ذاتها مثلاً تظهر في اعتراض البعض على طرح مسألة ما، فحتمًا سيظهر لك شخص يسوؤه اختيار تلك المسألة، فيواجهك بالسؤال الاعتراضي المشهور: «ألم تجد مسألة غير هذه تكتب عنها؟»، وإن استوقفتك مشكلة ما فناقشتها، يلاحقك السؤال المعروف: «هل انتهت جميع مشكلاتنا ولم يعد عندنا هم سوى هذه المشكلة؟». هناك دائمًا من يرى أن السفينة تغرق، والآخر مشغول عنها بالتوافه، فللناس توجهات مختلفة، وأولويَّات خاصَّة بهم، ويريدون ألاَّ يخوض أحدٌ إلاَّ في القضايا التي تهمُّه هو وحده.

هذه هي ذهنية الإلغاء في أوضح تجلِّياتها، فحين ننشغل بما نريد، ولا نلقي بالاً إلى ما يحتاجه الآخر، ينتهي بنا الأمر إلى تقليصه، والتقليل من قيمة مطالبه، ثمَّ تضخيم ذواتنا وتعظيم شؤوننا. من حقِّ كلِّ إنسان ترتيب هرم أولويَّاته حسب احتياجاته الخاصَّة، والسعي وراء سد تلك الاحتياجات واحدةً تلو الأخرى.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store