أن يُصبح إيمانويل ماكرون على أعتاب الإليزيه وهو شابٌ لم يبلغ الأربعين من عمره بحيث يضحي أصغر رئيس لفرنسا منذ أيام نابليون، وأن يكون شخصيةً لم يُعرف عنها نشاطٌ سياسي وحزبي من قبل في فرنسا، وأن يكون قد شكّلَ حزباً، لايزال بدوره صغيراً، منذ عامٍ واحدٍ فقط. وأن يخرج من الدورة الأولى للسباق الرئاسي الفرنسي مرشحا الحزبين اللذين حكما البلاد خلال العقود السابقة. هذا يعني أن ثمة انقلاباً تشهده فرنسا، البلد الذي وُلدت منه مفاهيم «الجمهورية» ونظامُها وكثيرٌ من تقاليدها.
ليس غريباً، لهذا، أن تُطلق وسائل إعلام فرنسية، منها صحيفة «لوفيغارو» العريقة، وصف «الزلزال» على ماحدث في الساحة السياسية. وقد يفسرُ الزلزال المذكور وصفَ بعض الصحف الفرنسية لما جرى على أنه «الثورة الفرنسية»، مرةً أخرى، حين نعلم أن قرابة 75٪ من الناخبين الفرنسيين صوتوا للفائزين الثلاثة الأوائل، وكلهم يتموقعون خارج نطاق القوى السياسية التقليدية وفكرها السياسي الذي ساد على مدى أكثر من نصف قرن.
غالبية الفرنسيين غاضبون إذاً، تماماً كما كان حال الأمريكان حين انتخبوا دونالد ترمب رئيساً، وكما كان حال البريطانيين حين صوتوا للخروج من الاتحاد الأوربي. والغضب هذا في أكبر دول العالم لايتعلق بساسةٍ وأشخاص في تلك الدول، بقدر مايعني أن المنظومات السياسية والاقتصادية والفكرية التي وُلِدت، بدرجةٍ كبيرة، في الدول المذكورة، وبها سيطرت على أجزاء كثيرة من الكرة الأرضية، لم تعد مرغوبةً من قبل أهل تلك الدول قبل غيرها.
سنعرف عشية نشر هذا المقال من سيحكم فرنسا خلال السنوات المقبلة، وإن كانت كل استطلاعات الرأي تشير لفوز ماكرون. وسيحاول الرجل، الأقرب لتيار الوسط من الفائزين الثلاثة، أن يعالج شؤون فرنسا وشعبها بطريقة مختلفة شيئاً ما.
لاتملك النخب السياسية والفكرية والأكاديمية في الغرب المعاصر، فيما يبدو، إجابات على الأسئلة الكبرى التي يعبر عنها الغضب المذكور. وهي، بالتأكيد، لاتملك برامج بديلة عن تلك التي باتت مهترئةً وغير قادرة على التعامل مع المأزق العالمي الراهن. من هنا، لايبدو غريباً هذا الحشد الداخلي في فرنسا لدعوة المواطنين إلى التصويت لماكرون خوفاً من منافِسته، مرشحة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان. فمن الإعلاميين إلى الأكاديميين، ومن المثقفين إلى النشطاء، مروراً برجال الأعمال ورجال الدين، تشهد فرنسا عملية تخويفٍ كبرى من أن تؤدي مقاطعة انتخابات يوم الأحد إلى حدوث ما لا تُحمدُ عُقباه: فوز لوبان بالرئاسة. خاصةً وهي التي تدعو في برنامجها الانتخابي إلى الانقلاب شبه الكامل على مجمل السياسات الداخلية والخارجية الفرنسية الراهنة.
بل إن الحشد وصل إلى درجة المشاركة الفاعلة من قبل شخصيات مثل رئيس مجلس إدارة مجموعة إيرباص الأوروبية توم إندرز، ومُخرِجَي السينما المشهورين ماتيو كاسوفيتس ولوك بوسون، ومدير مهرجان أفينينون الشهير أوليفييه بي، وحائز جائزة نوبل للآداب جان ماري لو كليزيو، وطبعاً، نجم الكرة الدائم زين الدين زيدان، والعشرات من أمثالهم. ولايقتصر الحشد المذكور على الداخل الفرنسي، بل يمتد إلى الخارج الأوربي والأمريكي، حيث تُسمع بشكلٍ كثيف أصوات كبار الساسة والمثقفين داعيةً الفرنسيين إلى انتخاب ماكرون.
يحاول كل هؤلاء أن يؤخروا انفجارات اجتماعية وسياسية كبرى تبدو قادمةً لامحالة، بمنطق قوانين الاجتماع البشري، ولاينتبهون إلى ملاحظةٍ مهمة أوردتها صحيفة «لي زيكو» الفرنسية الاقتصادية عندما حذّرت من تكرار تجربة الانتخابات الأمريكية، وقتَها وجدنا أنه «كلّما دافعت الشخصيات الكبرى في المجالين السياسي والثقافي عن هيلاري كلينتون، أعطت مزيداً من الانطباع للطبقات الشعبية بأنها تحتقرها». هذا مع التذكير بأن لوبان تطرح نفسها على أنها خيارُ الشعب الذي تقف في وجهه كل رموز «المؤسسة» السائدة، تماماً كما حصل في أمريكا منذ شهور فقط.
رغم كل هذا، تفيد استطلاعات الرأي أن نسبة 30٪ من الفرنسيين يفكرون في مقاطعة الانتخابات، وهي أكبر ثاني نسبة مقاطعة على مدى خمسين عاماً.
لكن فوز ماكرون يبدو راجحاً جداً، خاصةً بعد أدائه القوي في المناظرة التلفزيونية الأسبوع الماضي مع لوبان. هذا مع أن حصول المناظرة نفسها يجب أن يحمل دلالةً كبيرة. فمنذ خمسة عشر عاماً، وعندما وصل جان ماري لوبان، والد المرشحة نفسها، إلى الدورة الثانية في الانتخابات، رفض منافسهُ، يومها، جاك شيراك أصل فكرة إجراء مناظرة معه، لأن هذا كان يعني حسب شيراك «التطبيع مع الكراهية وعدم التسامح».
تغيرت الأمور كثيراً في فرنسا، وفي العالم، خلال عقدٍ ونيّف. ورغم محاولات النخب الغربية الهروب من مواجهة مسؤوليتهم التاريخية، تبدو عجلة التاريخ وهي تتقدم بعزم نحو دورةٍ حضارية عالمية جديدة.


