كانت الجزيرة العربية، بعد نهاية الحكم العثماني، تعاني من التشرذم والفرقة والتفكّك، حتّى قيّض الله لها شخصية الملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، الذي استطاع بحكمته وحنكته السياسية أن يجمعها تحت راية واحدة، وكانت هذه الوحدة الوطنية مضرب المثل في العالم، وفي الوقت الذي فشلت فيه مشاريع وحدوية عديدة؛ فإننا نجد المشروع الوحدوي الذي مرّ على بدايته أكثر من قرن من الزمن، والذي حمل رايته بعد المؤسّس أبناؤه البررة، نجده يحظى بالنجاح والتّلاحم. وكانت الوحدة الوطنية من الأسس التي قام عليها هذا المشروع. ولم يكن الولاء للوطن موضع نقاش أو جدال فكري على مدى عقود طويلة؛ حتى إذا ما حلّت الثمانينيات الهجرية (الستينيات الميلادية)، فتحت هذه البلاد أبوابها للقادمين من بعض الدول العربية المجاورة، والهاربين من ظلم بعض الأنظمة الثورية، وحمل بعضهم معه ما عرف لاحقًا برؤية الإسلام السياسي، الذي من أسسه تغييب مفهوم الولاء للوطن ليحلّ محلّه الولاء للمرجعية الفكرية أو العقدية، والسبب وراء هذا التغييب المتعمّد هو ما عُرف بمنهج الحاكمية، الذي كان وراء تكفير المجتمعات المسلمة بفطرتها، وضرورة قيام أنظمة تتفق مع أجندة هذا المشروع السياسي، الذي سمّاه البعض في رسائله باسم «الحكومة الإسلامية»، مع أنه لا يمكن أن يزاحم أحد بلادنا في رؤيتها الإسلامية المحضة، والقائمة على تحكيم كتاب الله وسنّة نبيه الخاتم صلّى الله عليه وسلّم. ولا يستقيم في الذهن تعارض الولاء للدين والولاء للوطن. وهذا رسول الهدى صلّى الله عليه وسلّم يقول صادقًا، بعد أن اشتكى إليه بعض المهاجرين تشوّقهم لوطنهم مكة المكرمة - حرسها الله -: «اللهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكّة أو أشدّ حبًّا»..
هذا التعارض الوهمي بالتآزر مع منهج الحاكمية هو الذي كان وراء اندفاع بعض أبناء البلاد لحمل السلاح في وجوه أهلهم وإخوانهم، وربما والديهم بذريعة أن في عقائدهم خللاً، ولا بأس من سفك دمائهم البريئة، وربما كانوا في عقائدهم الأصفى والأنقى والأكمل. واستطاعت حركات مثل طالبان والقاعدة، ثم ثالثة الأثافي داعش أن تسيطر بمقولاتها الفاسدة على عقول بعض المخدوعين بهذه الحركات، والانجراف بهم إلى سلوكيات مقيتة ومنحرفة وضالة.
ولعلّ ممّا يحفّز على طرق مثل هذا الموضوع ومنحه أولوية عند المؤسّسات المعنية هو ما ذكره الكاتب فهد الدغيثر في صحيفة «الحياة» 29 أبريل 2017م، حيث ذكر «أن مجلس الشورى لم يوافق بعد على صياغة مناسبة لوضع حدٍّ لمن يسعون لشقّ الوحدة الوطنية من منطلقات مذهبية وعرقية»، مشيرًا إلى «تعطيل التصويت لقانون الوحدة الوطنية»، والذي بحسب علمه، «لازال مركونًا في الأدراج تحت القبة البرلمانية».
المخاطر الجسيمة وراء تغييب مبدأ الولاء الوطني
تاريخ النشر: 16 مايو 2017 01:08 KSA
رؤية فكرية
A A


