* في عام 1981م، كنَّا نؤدِّي صلاة الجمعة في المركز الإسلامي بالعاصمة البريطانية لندن، وبعد انتهاء الصلاة سمعنا صوت طلقات ناريَّة خارج المسجد، وعندما هرعنا إلى بوابة المسجد، شاهدنا رجلاً مضمَّخًا بالدِّماء، وبجانبه امرأة وطفل يصرخان، ورجال البوليس يمسكون بشخصين ذوي سحنات عربيَّة، ولم يكن القتيل سوى المعارض الليبي مصطفى رمضان، والذي كان يعمل لصالح محطة الـ B.B.C ، وكان القذافي يتعقَّب معارضيه. ولأنَّ بريطانيا كانت -ولا زالت- لا تمارس قوانين صارمة ضد القادمين، أو المهاجرين والنازحين من البلاد الأخرى، لهذا السبب وسواه، قام القذافي ونظامه الديكتاتوري بالتوجُّه إلى العواصم الأوروبيَّة لتصفية حساباته مع مَن يعتبرهم يشكِّلون خطرًا على نظامه.
* في سنيِّ دراستنا كطلاب سعوديين في جامعة مانشيستر، صحونا يومًا على صوت الطلقات الناريَّة في سكن، يضم طلابًا ليبيين، وكان ذلك كما أتذكَّر عام 1986م، وكان من الحوادث المؤسفة، أن تطلق رصاصات قاتلة من مبنى السفارة الليبيَّة في لندن ضد مجموعة من الأشخاص، يقومون بمظاهرة أمام السفارة.
ولم تصب تلك الرصاصات أولئك المتظاهرين، بل أصابت جنديَّة بريطانيَّة تُدعى فليشر yvonne fletcher ، والتي تُوفيت قبل إسعافها، ووقع هذا الحادث عام 1984م كما أتذكَّر.
ولعلَّ هذه الحوادث المتكرِّرة هي التي شجَّعت رئيسة الوزراء البريطانيَّة مارجريت تاتشر بالسماح للطائرات الأمريكيَّة باستخدام القواعد البريطانيَّة لضرب مقر الزعيم القذافي عام 1986م، والذي نجا من تلك الضربة الأمريكيَّة؛ ليُقتل لاحقًا على يد مجموعة من شباب الثورة ضد نظام القذافي، فيما عُرف بحقبة الربيع العربي.
* مانشيستر مدينة تحتضن جاليةً عربيَّةً ومسلمةً كبيرةً، وهم نزحوا إلى الغرب بحثًا عن حياة أفضل، ولعلَّه لم يدر بخلد الجالية الليبيَّة في مدينة مانشيستر، والتي يبلغ تعدادها سبعة آلاف شخص، أنَّ شابًّا ليبيًّا وُلِد في هذه المدينة قبل حوالى عقدين من الزمن، يقوم بتفجير نفسه في مجموعة من سكَّان المدينة، ومعظمهم من الأطفال وصغار السن، حضروا للترفيه عن أنفسهم، وتلك حياتهم وهم أدرى بها، ولكنَّه التطرُّف والإرهاب الذي لم تسلم من سلوكياته المدمرة البقاع المقدَّسة للمسلمين، فضلاً عن دور العبادة للديانات الأخرى، وهو أمر يناقض جوهر تعاليم الدِّين الإسلامي، والتي تنصُّ صراحةً على عِظم جريمة قتل النفس الإنسانيَّة.
* وممَّا يُؤسف له أنَّ عددًا من الوعَّاظ في البلاد العربيَّة والغربيَّة -على حد سواء- يشيحون بوجوههم عن الآيات المحكمات، التي تحرِّم قتل الأبرياء من أهل الملل الأخرى، فأين هم من قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ)، وهذه آية قرآنيَّة أخرى تدعو إلى إنصاف الآخرين والعدل في حقهم، يقول قرآننا العظيم: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ).
* وأختم هذه السطور بالإشارة إلى نصِّ هذه الوصية التي أوصى بها سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- قوَّادَه (لا تخونُوا ولا تغلُوا ولا تمثِّلُوا، ولا تقتلُوا طفلاً صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأةً، ولا تعقرُوا نخلاً وتحرقُوه، ولا تقطعُوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحُوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا، إلا لما أكِل، وسوف تمرُّون بأناس قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له).
ذلكم خليفة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولئك أتباعه، تُرى كم بعدت المسافة بيننا وبين التعاليم الحقيقيَّة للإسلام من الرحمة والتسامح، وحفظ حقوق الآخر، أيًّا كانت ديانته ومذهبه.
جناية دعاة التكفير والتفسيق على الوجود الإسلامي في الغرب!!
تاريخ النشر: 30 مايو 2017 01:09 KSA
رؤية فكرية
A A


