رغم إصرار خطباء كُثر في العالم الإسلامي على تعميم الدعاء بالهلاك والبلاء على غير المسلمين، كما ذكرنا في المقال السابق. يغفل هؤلاء عن المأزق، العَقَدي والعملي، الذي يضعون فيه المسلمينَ أنفسهم نتيجة مثل هذا الدعاء. وذلك بسبب إمكانية الوقوع في شبهة الشعور بالاصطفاء العرقي/ الأيديولوجي، وبالفهم السلبي الذي انتقده القرآن نفسه. ففي هذا الفهم، يتشكَّل في الثقافة السائدة إحساسٌ بوجود الاستعلاء والفوقية على الآخرين من بني البشر، فقط لمجرد الانتماء، ولو اسمياً، إلى الإسلام.
والحديثُ هنا لا علاقة له بالخيرية التي تشير إليها الآية الكريمة: (كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس). فهذه الخيرية تُعتبر مسؤوليةً وتكليفًا وشرفًا عندما تتحقق مقتضياتها وشروطها. في حين أن المحظور يتعلق بإمكانية تكرار خرافة (شعب الله المختار). ولكن من خلال تنزيلها هذه المرة على المسلمين بكل ما فيها من فهمٍ نظريٍ خاطئ، ومقتضيات عملية خطيرة. بحيثُ يجري إشاعتها وإقناع العقل المسلم بها، ثم يتمَّ التعامل مع الآخرين انطلاقًا منها.
والمؤكدُ أن هذه الطريقة في فهم الخصوصيات تُمثِّل أقصر طريقٍ للاستقالة الفكرية والعقائدية، وللارتخاء النفسي والعملي في أوساط المسلمين. لأن من يقتنع بأن لديه ضمانًا نهائيًا للفوقية في الدنيا وللفوز بالجنة في الآخرة، بناءً على مجرد انتمائه لدينٍ معين، وبغضّ النظر عن مقتضيات ذلك الانتماء، لن يشعر بحاجةٍ للحركة أو التفكير أو بذل الجهد في أي مجالٍ من مجالات الحياة.
وحين تُواجهُ الصعوبات والتحديات هذا الإنسان، وهي بطبيعتها تواجه كل قومٍ وكل جماعة بشرية، فإنه سرعان ما يشعر بالعجز عن التعامل معها بسبب ضمور قدراته الفكرية والعملية، وبسبب افتقاده للأدوات والوسائل والمقدمات التي يجب أن تكون متوفرةً لمواجهة الصعاب والتحديات. من هنا، يصبح الطريق الأسهل والأيسر للتعامل معها هو الهروب منها أو إلغاء مصدرها بشكلٍ كامل.
من الأرجح أن يُصبح الدعاء على الآخر بالإبادة الجماعية والهلاك الشامل أول خطوةٍ، على طريقٍ ليس له آخر، من الإساءة للإسلام. لكن مثل هذا الدعاء قد يمثلُ أيضاً الأمر الوحيد الذي يستطيع إنسانٌ عاجز القيام به. بحيث يُحيل رغبته إلى السماء ثم يعود إلى حياته المهترئة مستسلماً بانتظار الفرج.
وفي الحالتين، يُعبّرُ مثل هذا الخطاب عن رؤيةٍ سوداويةٍ منغلقةٍ سلبيةٍ لا علاقة لها برمضان، ولا بروحه المفعمة بمعاني الرحمة والسماحة والعمل والكرم والعطاء.
المفارقة أن ثمة أشعة حرمان تُسلّطُ على آراء وأحكام تتعلق بهذا الموضوع لعُلماء في الماضي والحاضر، ولا تجري إشاعتُها لسببٍ أو لآخر، في حين يتسابق كثيرون على نشر آراء وأحكام فيها الكثير من الغرابة والجدَل. ومن النوع الأول رأيُ الشيخ صالح آل الشيخ حين قال: «وهديُ النبي صلى الله عليه وسلم وهديُ الصحابة في دعائهم على الكفار أن يكون دعاءً خاصاً على المعتدي، على الظالم». أما الشيخ سلمان العودة فيقول: «يُدعى على المعتدين.. وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة- لما قالوا: (يا رسول الله! ألا تدعو على الكفار؟ -هكذا الحديث- قال: إن الله بعثني رحمة ولم يبعثني لعاناً)، ولما قيل له ليدعو على دَوس رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم اهد دوساً وائتِ بهم، اللهم اهد دوساً وائت بهم)». كذلك، انتقد الشيخ عائض القرني، في محاضرةٍ له، أئمة المساجد الذين يدعون بهلاك اليهود ومن هاوَدهم والنصارى ومن نَصَرهم والبوذيين ومن «باوَذهم» وخاصةً في صلاة التراويح والقيام، مشيراً إلى أنهم في دعائهم وكأنهم يرغبون بأن تُترك الدنيا لهم فقط، ملمّحاً في حديثه إلى أنه تصرفٌ يُنافي مبدأ التواضع الذي يُفترض بأن يكون من خصال المسلم والدعوة إلى الإسلام.


