ليس من السهل إقناع دولة أوروبية بأن تتعلم من دولة تقع خارج نطاق النصف الغربي من العالم، خاصة إن كانت في السابق إمبراطورية عظمى، وربما ما زالت تعاني من ذلك الشعور بالعظمة والاستعلاء والقوة. ومع ذلك فلن يعدم هؤلاء عقولاً راشدة تصدق مع نفسها وبلادها، وتحاول أن تتعلم من تجارب غيرها، ولو كان من الأبعدين تاريخاً ودينا وثقافة وجغرافيا.
وهذه مبادرة مدعومة من الحكومة البريطانية، تهدف إلى تبني أكثر من نصف المدارس الابتدائية في بريطانيا استراتيجيات تدريس مادة الرياضيات المطبقة في عدد من المدن الآسيوية مثل شانغهاي الصينية وسنغافورة. ولكن ما سر هذه المبادرة؟ السر يكمن في الأداء العالي لطلبة هذه المناطق في هذه المرحلة الدراسية في الاختبارات العالمية القياسية في الرياضيات، اعتباراً من العام 2011 وحتى يومنا هذا.
واعتباراً من يناير القادم، ستُتاح لمعلمي الرياضيات الإنجليز في المرحلة الابتدائية استخدام سلسلة «رياضيات شانغهاي الحقيقية» المكونة من 36 جزءاً، والمترجمة حرفياً دون أي تغيير سوى استبدال رمز الجنيه الإسترليني برمز اليوان الصيني.
وفي هذا السياق يقول أستاذ التربية الدكتور يونج زاو من جامعة كنساس الأمريكية: (كان الآسيويون يتعلمون طوال الوقت من الأنظمة التعليمية في الغرب. الآن انقلبت الآية وحدث العكس!).
المبادرة المشار إليها ستكلف الخزينة البريطانية 54 مليون دولار، وسيشرف عليها شخصيا وزير التعليم البريطاني. وفي ظل هذه المبادرة يُتوقع أن تختفي شكوى نسبة كبرى من الطلبة: (لا أستطيع حل مسائل الرياضيات) من قاعات الدرس. والسبب أن آلية التدريس ستكون تفاعلية باستمرار، وسيُطلب من كل طالب المشاركة جماعياً وفرادى لحل المسائل وشرح طرق الحل. ولأن هذه الآلية تتطلب وقتاً أطول، فإنها تغطي موضوعات أقل، يتم التركيز من خلالها على الكيف لا الكم، وعلى العمق لا على القشور.
ما جدوى العناوين الكثيرة إن كانت المحصلة هشة وضعيفة! وما جدوى الكم الكبير إن كان الفهم عزيزاً والاستيعاب أعزّ! وما جدوى التعليم إذا كان التقويم تقليدياً وسطحياً في أغلب الأوقات!
الرياضيات أساس مكين لأي دولة تنشد مستقبلاً زاهراً لأبنائها وبناتها في عالم شعاره البقاء للأفضل والتوظيف للمؤهل!


