صداقة كبيرة ومتينة ربطت مي زيادة بالإعلامي والصحفي الكبير أنطون جميل. صداقة مست الجانب الإنساني كما امتدت إلى الجانب الأدبي. كان عاشقًا لمي ولم يخفِ أبدًا هذا الإحساس. كان أول من يحضر صالونها يوم الثلاثاء، وآخر من ينسحب. لم يكن شخصية عادية فقد كان علمًا مهمًا جعل من الخيارات الحداثية نهجًا له. ومنابره الصحفية التي أسسها أو أدارها، كانت وسيلته الحيوية لإيصال أفكار التجديد التي ظلت تشغله في مهجره بمصر. ولد أنطون الجميل في سنة ١٨٨٧. درس في الجامعة اليسوعية المعروفة وقتها بصرامتها وجديتها واتساع رؤاها. واشتغل في مجلتها البشير ١٩٠٦، التي سهلت له العمل الصحفي، ووضعته في مساره الصحيح. بعدها بسنة، أي في ١٩٠٧ سافر إلى مصر التي كانت فضاءً حيويًا مفتوحًا، ومكانًا مهمًا لمزاولة عمله الإعلامي. واستقر هناك. لم يكن أنطون الجميل من النوع الكسول، فقد استغل عقليته الشامية المحكومة بالعمل والمبادرات، وأسس في السنة نفسها، بالاتفاق مع أمين تقي الدين، مجلة الزهور الأدبية، التي كانت تنشر قصائد الشعراء الكبار من أمثال شوقي وحافظ، ومي، والمنفلوطي، وشبلي شميل وغيرهم. كان هاجسه الثوري التغييري المحدد الأساسي لمساراته السياسية. فأسس حزب الاتحاد اللبناني لمقاومة المد العثماني. كان يرى في الدولة العثمانية آلة تخلف يجب تخطيها والتخلص منها نهائيًا، حتى تنفتح بلاد الشام على مستقبل جميل وحقيقي. واستمرت مسيرته على هذه الوتيرة حتى النهاية. مثابرته وعمله الخلاق جعلاه يترأس جريدة الأهرام في ١٩٣٣. في أواخر حياته، انتخب في مجلس الشيوح في ٣٣-١٩٤٥. وتوفي في ١٩٤٨ حاملا حبه لأهم امرأة تركت أثرًا بليغًا على حياته.

تعرفه على مي زيادة جاء في وقت مبكر. فقد تكونت بينهما صداقة متينة تجلت أكثر وبشكل واضح في المراسلات التي كانت بينهما، التي أظهرت شيئًا أكبر من الصداقة. فقد يدلعها بكلمة بيبي بمعني صغيرتي. ويوقع رسائله بلوتر بيبي، أي الصغير الآخر. رسائله تبين كل الصعود والنزول في هذه العلاقة. يقول في إحداها: «ساءني ما أصاب عينك اليمنى. سلمت عينك اليمنى واليسرى. بل سلمت في كلياتك وجزئياتك...» كتب لها أول رسالة حب في سنة ١٩١٢، مبديًا إعجابه الكبير بها، وحبه لها. حضر بشكل فعال في كل الأحداث الثقافية التي كانت وراءها مي أو أبوها إلياس كتأسيس الصالون مثلا، أو يوم تكليف مي بقراءة النص التكريمي الذي بعث به جبران يوم تكريم الشاعر الكبير خليل مطران. فقد ظل مشدودًا إلى مي «أقف طويلا عن الكتابة، ضائعًا في بحار الذكريات، بل إن الكلمات تعصاني. أبحث عنها ولا أجدها. أستودعك الله يا بيبي على أمل أن ألقاك بخير وعافية، وقد أصبحت أنا فوتر بيبي».

وكما يقول ناصر الدين النشاشيبي لم تشغله الأهرام مثلما شغلته الآنسة مي. وراح يمطرها برسائل الحب والشوق. وكان عمره لا يزيد عن خمس وعشرين سنة. وكانت هي تكتب في جريدة والدها المحروسة، يوميات امرأة. وكان هو من أوائل قرائها.

بقي شيء واحد هو أن أنطون الجميل ظل وفيًا لحبه لمي حتى النهاية. رفض الزواج العديد من المرات ومن ذلك رفضه لمقترح الزواج من أرملة تقلا باشا، صاحب الأهرام، والتي أبدت كل استعداداتها للزواج منه، لكنه لم يكن مستعدًا لاجتياز هذه الخطوة. وكما العشاق العظام، عاش أنطون الجميل حبه حتى النهاية، فمات أعزب حبًا في مي، بلا ندم ولا ضجر.