تقرير إلهي لا لبس فيه، يصف حالة بشرية قائمة، هي حقيقة اليوم، وهي حقيقة غدًا، وهي حقيقة حتى قيام الساعة. في محكم التنزيل، يقول الحق تبارك وتعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون). هؤلاء دخلوا تحت غطاء الإيمان، وهو غطاء واسع، لكن خلطوا بالإيمان شركًا يعكّر صفوه، ويسيء إلى جماله.
وفي بعض التفاسير القديمة يُذكر أن هؤلاء يؤمنون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، لكنهم يعبدون معه غيره من الأصنام والأوثان، ويدعون أن له ولدًا، سبحانه وتعالى.
وفي عصرنا الحاضر، لا نكاد نرى أو نسمع عن مؤمن بالله يعبد صنمًا أو وثنًا بالمعنى السائد في أيام الجاهلية الأولى. صحيح أن عباد الأصنام والأوثان والرموز من غير المؤمنين كثر، من شاكلة عبدة بوذا وغيره. وآخرون يستغيثون بالموتى، ويدعون أن لهم عند الله قربى، وأنهم يتخذونهم إلى الله زلفى.
لكن سوادًا كبيرًا ممن يؤمن بالله قد يمارس صنوفًا من الشرك خفية قد لا تخطر ببال صاحبها حين يفعلها، وربما أنكر أنه يمارسها أصلًا من الناحية النظرية، في حين هو يفعلها من الناحية العملية. خذوا مثلًا هواة المناصب، ولو على حساب كل خلق فاضل كريم! هؤلاء يبذلون الغالي والنفيس كي يبلغوا مبتغاهم، ولو داسوا في الطريق على جميع قناعاتهم، وضحّوا بما كانوا يعدونه من أصول مبادئهم وصميم ثوابتهم. هؤلاء ينسون أن صاحب الأمر والنهي هو الله وحده يعطي ويمنع كيف يشاء.
وخذوا مثلا عشاق الجاه الذين يجيدون فنون التزلف والتقرب كي يكونوا في الواجهة دومًا، فهم لا يحبون أن يعيشوا إلاّ تحت الأضواء، فإذا ما تركوها غلب عليهم الحزن والقهر والأسى، في حين يتصدر آخرون أخبار المجتمع لأن الله عزّ وجلّ جعل لهم قبولًا من غير حول منهم ولا قوة، وربما ولا رغبة.
وأما عبدة الدرهم والدينار، من الذين يستحلونه من كل طرف حلّ أو حرم، فأولئك أمرهم خطير وحالهم بئيس ومآلهم مخيف لأنهم يتناسون أن الله وحده هو الرزّاق ذو القوة المتين.


