غداً هو يوم الوقوف على صعيد عرفة، وعرفة خير أيام الله. هكذا اصطفاه الله من بين أيام العام، وهو سبحانه فعّال لما يريد، وهو العزيز الحكيم.
والوقوف هنا ظاهرُه حسيٌّ مادي، دليله انتقال الحاج إلى الصعيد الطاهر منذ صبيحة يوم غد، والمكوث فيه حتى غروب الشمس، أو ما بعد الغروب حتى حلول فجر اليوم الذي يليه، يوم العيد الكبير.
لكن الوقوف المعنوي أو الروحي هو ذو الأثر الكبير على النفس والروح. وهنيئاً لمن أشربت نفسه نفحات تلك الساعات الفاضلة وتضوعت روحه بأنوار هذا اليوم العظيم. شعور الواقف بأنه سيعود كيوم ولدته أمه، صفحة بيضاء تسر الناظرين وسجلٌ خالٍ من السيئات يسر القرينين. هذا الشعور يستلزم عزماً جاداً على تجذير الخير في النفس، وعلى تغليب البر على سائر أوجه العمل. إنه الوقوف عند حدود الله وقفات طويلة حتى لا يتجاوزها، وإن فعل فبكل خوف ووجل وتردد. وهو كذلك الوقوف عند أبواب الخير الكبيرة الواسعة، فلا يميل إلى غيرها، بل يسارع إليها بلا تردد ولا تسويف أو تأجيل.
وعندما يتكاثر هؤلاء الواقفون عند حدود الله المسارعون إلى مرضاته، فإن العدوى تسري، وحال الأمة يتحسن وراياتها ترتفع ومكانتها بين الأمم الأخرى تتقدم. وكل ذلك مرهون بتحسن حال مؤسسات الأمة الذي هو نتاج تحسن حال أفرادها القائمين على أمرها الواقفين عند حدود شرعها السائرين على هدي نبيها عليه السلام.
ما من مسلم إلاّ وتتشوق نفسه إلى يوم تخفق فيه رايات وحدة أمته من المحيط إلى الخليج، بل من المحيط إلى المحيط، لتكون أمة بحق وسطاً لا غلو فيها ولا تشدد ولا تنطع ولا عنف ولا إرهاب. وفي الوقت نفسه تتطلع نفسه إلى أرض واسعة ومساحات شاسعة وحدود مفتوحة هائلة لا فساد فيها ولا جور ولا استبداد.
يوم عرفة الأوحد هو اليوم الأعمق من حيث الدروس والعبر، ومن حيث الجوائز والمكتسبات، ومن حيث الفرص والغنائم. ومع ذلك فقليل هم المتأملون المتدبرون المختارون.
اللهم تقبل من الحجيج فريضتهم الكبرى، وأعدهم إلى ديارهم سالمين غانمين.


