خلال شهرين أو تزيد قليلاً، اصطدمت مدمرتان حربيتان أمريكيتان بسفينتي شحن، وكانت النتائج جرحى وصرعى في الجانب الأمريكي، المتسلح بتقنيات متطورة متقدمة تستكشف وتستشعر وتراقب وتوجه، في حين تُوصف الباخرتان بأنهما كسلحفتين بالنسبة لأرنبين.
والأعجب من ذلك أن كلاً من الحادثتين وقعتا في عرض بحار واسعة هائلة، حتى كأنما الحادث أشبه باصطدام جملين اصطداماً مميتاً في خضم الربع الخالي.
في الحالة الأولى (وقعت في يونيو الماضي)، قُتل 7 من طاقم المدمرة فيتزجيرالد بعد حادث التصادم قرب طوكيو، وفي الثانية (التي وقعت في أغسطس المنصرم) قُتل 10 من طاقم المدمرة ماكين، التي سُميت تكريماً لوالد وجدِّ السيناتور جون ماكين، اللذين خدما في مناصب عليا في البحرية الأمريكية لعدة عقود.
وبعد الحادثة، أمر وزير الدفاع الأمريكي بمراجعة كل الإجراءات والتعليمات المتبعة في تشغيل السفن الحربية الأمريكية (بوارج ومدمرات وغيرها)، وعددها 277 قطعة بحرية تجوب بحار العالم، بدءاً بما سُمي «وقفة تشغيلية» لمدة يوم أو أكثر، مع البحث في أسباب وقوع هاتين الحادثتين الكبيرتين خلال فترة وجيزة.
أما أهم الأسباب التي يُعتقد أنها وراء الحادثتين، فهو الإرهاق والكلل الذي يصيب طواقم هذه السفن، من جراء العمل الطويل في ظروف ليست سهلة، تتطلب تركيزاً مستمراً في حين لا ينعم كثير من أفراد الأطقم بالراحة الكافية ولا النوم العميق بسبب ظروف الإبحار لأسابيع طويلة. وفي أحد التقارير ذُكر أن ساعات العمل الطويلة المتبعة على ظهر بعض هذه القطع البحرية غير مسموح بها حتى لسائق حافلة في الولايات المتحدة. ولزيادة الطين بلة، فقد اشتكى كثير من أفراد الأطقم البحرية من قلة البرامج التدريبية، وتراجع برامج الصيانة الضرورية.
الدرس الأول الذي يمكن أن يُستقى من هاتين الحادثتين هو عدم الاتكال على أنظمة التشغيل المستخدمة لدى القوات البحرية الأمريكية، وتطبيق «أدلة التشغيل» المعتمدة لديها بصفتها «مراجع» لا يأتيها القصور ولا يعتريها الخلل.
الدرس الآخر هو الاعتبار بما تجري به أقدار الله، إذ له الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير.


