من المعروف أن الإنجليز الأوائل الذين هاجروا إلى الأرض الجديدة في قارة أمريكا الشمالية استوطنوا بداية ولايات الشمال الشرقي، وعلى رأسها ولاية ماساشوستس اهتموا كثيرا بالتعليم، وأسسوا له قاعدة عريضة من التعليم رفيع المستوى خاصة الجامعي، فكانت سلسلة من الجامعات العريقة القديمة مثل هارفارد، إم. آي. تي، وتافت، بوسطن، ييل، نيويورك وغيرها.
ويبدو أن هاجس النوعية ما زال راسخا في العقلية البريطانية رسوخا (جينيا) يستلزم مراقبة المؤسسات التعليمية حين (تشطح)، فيعيدها إلى الجادة ضبطا لأدائها وتحقيقا لجودة مخرجاتها. ومؤخرا صرح وزير الجامعات البريطاني جو جونسون (بأن من أولوياته معالجة قضية التضخم في منح الطلبة تقديرات عالية)، مما يعني تخريج أعداد أكبر من المعتاد من حملة التقديرات العالية. ومرجع ذلك حسب رأي الوزير هو التساهل في تطبيق المعايير العلمية الدقيقة المتعارف عليها. إحصائيا زادت نسبة هؤلاء على مستوى الجامعات بنسبة أربعة أضعاف ما كانت عليه منذ خمسة أعوام مضت، وهو ما لا يمكن إرجاعه إلى تحسن حقيقي في مستوى الطلبة، فالعالم عموما يشهد انحدارا في هذا الميدان.
أما السبب الخفي، فهو التسويق لقبول أكبر عدد من الطلبة (وهو أشبه بما تمارسه المؤسسات التعليمية التجارية على مستويي التعليم العام والجامعي) لأن الحكومة وضعت حدا أعلى للرسوم الجامعية البالغة 9000 جنيه إسترليني سنويا. وعليه لا يمكن زيادة الواردات عبر رفع الرسوم، وإنما عبر زيادة عدد المقبولين، والمقبولون تغريهم وتجذبهم (التقديرات) المتضخمة، أكثر مما تهمهم النوعية الجيدة.
وأيا كانت الأسباب، فإن من المهم جدا ملاحظة هذه التوجهات غير الصحية إطلاقا. ومن المهم جدا عدم ممارسة أي نوع من المجاملة في هذا الباب. ومن المهم جدا كذلك عدم افتراض أن الجامعات قادرة على تصحيح مساراتها دون تدخل من أي جهة أخرى.
وقد يتساءل أحدنا: وما مبرر هذا التضييق على منح تقديرات متضخمة ترضي الخريج، وتفتح الطريق أمامه لمستقبل أفضل؟ الجواب هو أن الحقيقة المرة هنا أن الذي يحدث هو خداع للخريج وتغرير به لأن الطريق المجرد من (الوساطات) لن يُفتح إلاّ للمؤهلين بجدارة، والمتفوقين بصراحة.


