Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد خضر عريف

مطاعم في أبحر.. ولزوم ما لا يلزم

A A
في ليلة جُدّية مقمرة، قصدتُ مع بعض أهل بيتي أحد مطاعم عروس البحر الشهيرة الواقعة على شاطئ البحر الأحمر وتحديدا في شاطئ أبحر، ويعتبر هذا المطعم من أكثر المطاعم التي يقصدها أهل جدة وزائروها منذ عقد أو عقدين، ولأني كنت غبت عنه لفترة فاجأني أول ما فاجأني في ارتفاع أسعار وجباته و»مقبلاته» لتصل إلى ضعف الأسعار السابقة أو تزيد عن ذلك. ولأنني وصلت وجلست آثرت البقاء، مع أني أكره الابتزاز والاستغلال ولا أُشجعهما، وأُفضِّل أن أقاطع أي متجر أو مطعم يبالغ في أسعاره دون رقيب أو حسيب، وإن كانت أحوالي المادية جيدة ولله الحمد. ولو فعل ذلك كل مواطن إذا لكف هؤلاء الجشعون عن ابتزازنا واستغلالنا، ولو سمحت هذه المساحة لمثّلت ببعض أسعار الأطباق المبالغ فيها، وإن كان ذلك شأنا مهما في حد ذاته، فهنالك شأن آخر أهم منه لاحظته في ذلك المطعم، وقد يكون حاصلا في كل المطاعم، وهو إلزام الزبون بأطباق بعينها بحيث تصل فاتورته إلى ما لا يقل عن مبلغ معين كما رأيت بأم عيني، فقد حدث أن جلس خلفي مواطن سعودي ومعه زوجته وثلاثة من أطفاله، جاء ليرفه عنهم ويمشّيهم كما نقول بالبلدي، إذ أين يذهب بهم في ظل عدم وجود أي مرافق للترفيه، رغم كل ما سمعناه عن هيئة الترفيه. فلا يوجد عندنا إلا الترفيه بالأكل، ولا توفر كل المنتجعات والكازينوهات إلا «الجلسات» ليس إلا، والجلسات تعني الأكل، فالأكل، فالأكل.
المهم أنه جلس مع عائلته وجاءه «الجرسون»، وكل الجرسونات اليوم في كل المطاعم من جنسية واحدة معروفة، بعد أن «طفش» أبناء الجنسيات الأخرى، لتدني الرواتب وأسباب أخرى كثيرة، وسمعته يطلب «فلافل» وبعض أطباق المقبلات وشاي وقهوة إلخ، طلب «الفلافل» لأنها الأرخص ثمنا، وكان يبدو أنه لا يستطيع دفع مبالغ أكبر، فقال له الجرسون: وحتاخد إيه من الأطباق الرئيسية، فسأله الزبون: ايش الأطباق الرئيسية، فأجابه: لحمة، فراخ، أسماك، فقال: طيب ألغي المقبلات وآخذ طبق رئيسي، فقال الجرسون مجددا: لأ لابد تاخد معاه سلطات، وحاول المواطن أن يبين له بهدوء أن بعض الزبائن لم يطلبوا إلا العصير فقط، ولكن الجرسون أصر على طلبه، فما كان من المواطن إلا أن أخذ عائلته بهدوء وغادر المكان، في منظر يُدمي الفؤاد ويكسر الخاطر، كما يُقال، ولم أتمالك نفسي وقتها، وطلبت المشرف على الخدمة، وكان من جنسية عربية أخرى، ووصفت له ما حدث، فأظهر لي امتعاضه مما حصل لذلك الزبون، ورجاني أن أذهب معه إلى المشرف العام على الصالة، وكان من جنسية عربية ثالثة، وشرحت له ما حدث، وأنه من غير اللائق أن يجبر زبون على طلبات بعينها أو يُطلب منه أن يُغادر، وأبدى المشرف تأثُّره، ووعدني بأن يجمع كل العاملين بعد انتهاء الدوام لتنبيههم على عدم تكرار ذلك وترك الحرية لمن يرتادون المطعم، ليطلبوا ما يشاؤون، ولأمر يريده الله حدّثني أحد الأقرباء بعدها أنه ارتاد المطعم نفسه وتعرَّض للمشكلة نفسها حين حاول المباشر أو الجارسون إجباره على طلب أصناف بعينها. فعلمتُ وتأكدتُ أن ما قاله المشرف لي كان للاستهلاك المحلي، وأن ما يقوم به المباشرون، إنما هو بتوجيه من المشرفين، وربما من أصحاب المطعم، ليكون حساب كل طاولة مبلغا بعينه ولا يقل عن ذلك المبلغ، لذا وجدته واجبا عليَّ أن أُنبّه إلى خطورة هذه الممارسات التي تزيد من تضييق الخناق على المواطن الذي أصبح محروما من ارتياد كثير من المطاعم التي هي سبيل ترفيهه الوحيد، في ظل انعدام الحدائق والمتنزهات وسبل الترفيه الأخرى.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store