Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد خضر عريف

شظف العيش في بريطانيا

A A
كل من عاش في بريطانيا أو أقام في زيارة لها لأسابيع أو أشهر، أدرك ولا شك مدى شظف العيش الذي يعيشه أهلها من سكانها الأصليين أو المقيمين الدائمين أو المؤقتين، ويمكن اختصار شظف العيش هذا بكلمة واحدة (الضيق)، الضيق في كل شيء في المسكن والراحلة والطرق والمعيشة، وقبل ذلك كله في الخُلق والعِشرة بين الناس. ونبدأ بالسكن، الذي لم أرَ أضيق منه في كل الدول المتقدمة ولا المتأخرة التي زرتها، حتى لو وُصف بأنه منزل رحب فيه ثلاث أو أربع غرف نوم، إذ تبقى كل غرفة كعلبة الكبريت، وقد تتسع بالكاد لسريرٍ واحد مفرد أو اثنين بصعوبة شديدة، وسعة الدار من نِعَم الدنيا الذي أخبر عنها رسولنا صلـى الله عليه وسلم، وهذه البيوت الضيقة باهظة الثمن شراءً، وعالية الإيجار، وأنا أتحدث عن مدن صغيرة وليس عن لندن، فالقصة في لندن مختلفة تمامًا، وكل التكاليف فيها مضروبة بأربعة في المدن الأخرى. ناهيكم عن تكاليف مفزعة للكهرباء والماء والغاز وخدمات أخرى لا يمكن وصف ارتفاع أسعارها، أما السيارات فحدّث ولا حرج، فقد يُهيَّأ لك دومًا أنها لا يمكن أن تكون سيارات حقيقية، بل ألعاب أطفال، كالتي تستخدم في مدن الملاهي، مُطوَّرة قليلًا، معظمها لا يتسع إلا لشخصين، وبعضها لأربعة أشخاص، وقليل جدًا سبعة أشخاص، ولأن السيارات ألعاب أطفال، فإن الطرق مصممة لتستوعب أحجامها الصغيرة، ومعظم هذه الطرق باتجاهين كما كانت الحال في الدول العربية قبل 50 عامًا، والويل لمن حاد عن مساره الضيّق قيد أنملة، حيث سيسمع البواري من كل حدبٍ وصوب، وكأنه دهس أحد المارة، أو قطع إشارة أو صدم سيارة شرطة، وثالثة الأثافي هي الدوَّارات التي تجدها في كل زقاقٍ وحارة، وبعض هذه الدوارات بحجم «تبسي الشاهي»، وعليك أن تلتف حولها، وإلا انهالت عليك البواري، أما أسعار الوقود فخيالية، حيث يبلغ سعر اللتر الواحد من الديزل أو البنزين 6 ريالات، على الأقل، وهي أسعار ثابتة حددتها الدولة، لا تتعلق بارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، وفي ظل ضيق المنزل وضيق الراحلة، يأتي ضيق العيش وغلاء الأسعار، وإن كانت تكاليف المعيشة لدينا باتت اليوم أعلى بكثير من تكاليفها في بريطانيا، غير أن المواطن البريطاني والمقيم يُعانيان الأمرّين من الضرائب المختلفة، وفي مقدمتها ضريبة الدخل التي تقصم الظهور.
ولو اتسع المجال لي لمثّلتُ بمئات الأشياء، ودلَّلتُ بمئات الأدلة على شظف العيش في بريطانيا. وفي المحصلة ما الفائدة والغرض الرئيس من الحديث عن شظف العيش في بريطانيا، الذي قد يكون واقعًا في دول أوروبية أخرى؟. الغرض هو الرد على ما بتنا نسمعه اليوم من دعاوى كثيرة أنه علينا أن نُضيِّق على أنفسنا نظرًا للظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها المنطقة عمومًا، ودعاوى أخرى تُشجِّع على الهجرة بدعوى أن الدول المتقدمة تعيش في بحبوحةٍ من العيش، علمًا بأن هناك أُسرًا سعودية لا يقل أفرادها عن سبعة أو عشرة، فكيف لها أن تعيش في شقة ضيقة مكونة من ثلاث غرف مثلًا، أو أن تستغني عن الخادمة، خاصة إذا كانت الأم عاملة. كما أن البريطاني يشتري الفاكهة والخضروات بالحبة الواحدة، فهل يمكن لرب الأسرة لدينا أن يشتري الطماطم والخيار والتفاح والبرتقال مثلًا بالحبة والحبتين، ليُطعم عائلة كبيرة؟. نسأل الله ألا يصل بنا الحال لنعيش شظف العيش الذي تعيشه بعض الدول التي تُوصَف بالمُتقدِّمة، فغالبية مواطنينا ولله الحمد يعيشون في سعةٍ وبحبوحة، وينعمون بخيرات بلادهم الوفيرة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store