تمثل قضية الصراع العربي الإسرائيلي أهم قضية في التاريخ الإنساني المعاصر، لما شهدته من سجالات في أروقة الأمم المتحدة، تجاوز نصف القرن، تميز بالتقلبات في المواقف والأدوار، والتخاذل الدولي عن نصرة الحق الفلسطيني الواضح، والانحياز السافر للكيان الصهيوني على حساب الحق والعدل والسلام العالمي..
وتبرز مظاهر التقلب وتبدُّل المواقف في هذه القضية جلية في جولات الحوار بحثًا عن سلام مستحيل، وفي الاتفاقيات التي أبرمت والتي لم تزد شيئاً سوى مزيد من التمكين لإسرائيل، وإضعاف الجانب الفلسطيني.. والمدهش في هذه القضية أن الموقف العربي بعامة والفلسطيني خاصة تدحرج من الرفض القاطع للحوار مع العدو المغتصب، إلى ضرورة الجلوس معه، والتحاور وإقناع إسرائيل بضرورة القبول بحل الدولتين، المطروح حاليًا من قبل المجتمع الدولي..
ويمكننا أن ننظر لهذا التبدل في المواقف بمطالعة ما جاء في مذكرات وزير الدفاع الإسرائيلي في حرب 1967، موشى ديان، الذي يقول: «في اليوم الثاني من حرب 67 كنت أنتظر مكالمة هاتفية من أي شخصية عربية من دول الجوار»..
غير أن هذا لم يحدث في عهد ديان؛ بل حدث في أعقاب حرب أكتوبر 73، عندما التفّ الإسرائيليون وحلفاؤهم على ما تحقق من نصر جزئي للعرب، بتحطيمهم لأسطورة خط بارليف، وعبور قناة السويس، فكان لقاء «كامب ديفيد» على غير المتوقع، والمحصلة منه أقل من المأمول، وأحدث شرخاً كبيراً في البيت العربي.
وجاءت أوسلو لتكمل ضياع القضية، حيث تعد مرحلة مفصلية في الصراع العربي الإسرائيلي، بما تم فيها من اعتراف بالوجود الإسرائيلي فوق الأرض العربية والإسلامية.. وهناك ملاحظة مهمة في هذا السياق تستحق الإشارة والتنويه، لما فيها من مفارقة بين الطرفين في أوسلو، ففي الوقت الذي حشد فيه الجانب الإسرائيلي عدداً كبيراً من المختصين في الشأن العربي في طاولة النقاش، جاء الوفد الفلسطيني بقيادته السياسية فقط، فكان من الطبيعي أن تنتهي أوسلو إلى ما انتهت إليه..
غير أن أخطر ما ترتب على هذه الاتفاقية أنها فتحت الباب على مصراعيه أمام ما يسمّى بـ»عملية التطبيع»، وما تبعها بعد ذلك من إجراءات تمثَّلت في فتح بعض الدول مكاتب لها في إسرائيل تحت مسميات مختلفة، ترمز في محصلتها إلى نشوء شيء من العلاقة بين الكيان الصهيوني وهذه الدول العربية المحدودة.. وعلى هذا؛ فلا كامب ديفيد ولا أوسلو حققتا أي مطمح من تطلعات الشعب الفلسطيني.
وفي السياق المتواصل لتبدُّل المواقف، قامت بعض الشخصيات العربية مؤخرًا بزيارة للأراضي العربية المحتلة، فأثار ذلك ضجة، لم يفلح تبرير هذه الشخصيات في التعمية عليها، في الوقت الذي استثمرت فيه إسرائيل هذه الزيارة، ووجدتها فرصة ذهبية للترويج لمواقفها، وادعاء أن هناك من يريد التطبيع معها بدون أي مقابل، مع ضرورة الإشارة إلى أن إسرائيل سبق وأن رفضت المبادرة العربية التي قدَّمها خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز - يرحمه الله -، ولا زالت تنكر وجود شعب فلسطيني يستحق أن يكون له كيان ووطن..
ولعل في العبارات التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لبعض الدول الغربية بأن «إسرائيل في أحسن أوقاتها من ناحية العلاقة مع العرب»، ما يعمق ما ذهبنا إليه، غير أن نتنياهو نسي أن الدول التي أقامت معاهدات مع الكيان الصهيوني اقتصرت على الحد الأدنى من التمثيل الدبلوماسي، بينما ظلت العديد؛ بل الغالبية من الشعوب العربية وقياداتها تعارض مثل هذا التوجه، الذي يعطي إسرائيل إشارة خضراء لتحقيق مآربها، والقضاء على تطلعات الشعب الفلسطيني المشروعة.


