Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.وائل مرزا

السيناريو الكابوس: سيطرة إيران على سوريا خلف الواجهة الروسية

A A
ثمة من يرى أن السوريين وحدهم سيدفعون فاتورة فشل مفاوضات جنيف، وأن هذا يمثل النتيجة الطبيعية لتغير المعادلات وموازين القوى الإقليمية. الخطير أن يتعامل بعض هؤلاء مع الموضوع بدرجةٍ كبيرة من التجاهل واللامبالاة، وأن يعتقدوا باقتصار التبعات السلبية على سوريا وأهلها، وأن تلك التبعات لن (تفيض) إستراتيجيًّا على الإقليم بأسره.

لا تقتصر الرؤية المذكورة على اختزالٍ غريبٍ وتبسيطٍ مخلّ في الحسابات السياسية، وإنما تُمثل، عمليًّا، تجاهلًا خطيرًا لحقائق التاريخ والجغرافيا السياسية من ناحية، ولطبيعة التحالفات الإقليمية الراهنة من جهةٍ أخرى، ولما يُمكن أن ينتج عنها من تأثيرٍ سلبي على المنطقة بأسرها نهاية المطاف.

فَفَشل المفاوضات، بما يحمله من سيناريوهات قادمة محتملة، يستدعي استقراءً جديدًا لواقعٍ خطير يمكن أن يترسخ في سوريا، خلال السنوات القادمة، يحمل في طياته بذور تغييراتٍ جذرية سياسية وديمغرافية وثقافية واقتصادية، في سوريا وخارجها، تصب في مصلحة إيران نهاية المطاف ، كما سنبين أدناه. ظاهريًّا، يبدو فشل المفاوضات، أو بالأحرى (إفشالها)، خطوةً على طريق اكتمال السيطرة الروسية على هذا البلد العربي. وفي حين تَظهر عناصر تلك السيطرة، سياسيًّا وعسكريًّا، واضحةً جلية، تبدو ملابسات زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي إلى قاعدة حميميم الروسية (السورية؟)، بأحداثها المَرئية المُعبِّرة، مشهدا رمزيا فاضحا لتأكيد تلك السيطرة على أعلى المستويات.

هكذا، تُحكِم روسيا سيطرتها على سوريا، وفق القراءة العامة، والأرجح أن تُحكِمها من خلال إبقاء بشار الأسد في موقعه الراهن، لكن ما يجب الانتباه إليه، بحذر، هو أن تلك السيطرة ستكون على البنية الفوقية لجهاز السلطة السوري. في حين يبقى السؤال الحساس: مَن الذي لديه المصلحة الإستراتيجية والقدرة والأدوات للسيطرة على البنية التحتية للسلطة في تفاصيلها المحلية؟ هذا فضلاً عن السيطرة، تدريجيا، على بنية المجتمع ومؤسساته، وتغيير تركيبته الديمغرافية والثقافية؟ ومَن الذي يمتلك أوراق الجغرافيا والتداخل الاجتماعي والعملاء المحليين ذوي الولاء التاريخي (في سوريا ولبنان) لتأكيد تلك السيطرة بكل مفاصلها؟

هنا تبدو إيران من خلف الستار، ويبدو ثمة مخططٌ جديد يعتمد على مهاراتها في الانحناء المؤقت للعاصفة، والعمل الهادئ على المدى الطويل لتحقيق أهدافها.

فروسيا، الدولة الكبرى البعيدة عن سوريا، الغريبة عن اجتماعها البشري وثقافتها وتاريخها، المشغولة بقضايا ومشكلات لا نهاية لها، قد تكون مهتمةً بورقة تتمثل في وجودٍ عسكري لها على شاطئ المتوسط. بل ستبقى تعتبر هذه الورقة (واحدةً) من أوراقها في صراعات النفوذ والقوة والمصالح الدولية. لكنها، بالتأكيد، لن ترى في سوريا (شأنًا وجوديًّا)، ولن تصيغ سياساتها وفق ذلك العامل.

على العكس من ذلك تماما، يبدو كلُّ شيءٍ يتعلق بسوريا شأنا وجوديا، بالنسبة لإيران، بل إنه يُصبح (مسألة حياةٍ وموت) حين يتعلق الأمر بمخططاتها الإستراتيجية في المنطقة بأسرها، وتحديدا في المشرق العربي والجزيرة العربية. فهذا هو المجال الحيوي لإيران، وأولويتها القصوى، على مسار حلمها المجنون بالسيطرة على المنطقة، تقتضي احتواء هذا المجال الحيوي بكل طريقة ممكنة.

من هنا، وبعد شعورها الراهن بضمان سيطرتها المباشرة وغير المباشرة على العراق ولبنان، يظهر سبب هوسها الصارخ بالسيطرة على سوريا، ولو بالطريقة المذكورة أعلاه، على المدى المتوسط والطويل. خاصةً وهي تأخذ بالاعتبار أن سيطرتها على البنية التحتية للسلطة في سوريا، وعلى الاجتماع والديموغرافيا والثقافة، يمكن دائماً أن تكون مدخلاً للانقضاض، مرةً أخرى، على البنية الفوقية للسلطة في سوريا، في ظل أي تغييرات، ممكنة دائما، في المعادلات الدولية المتعلقة بالوجود الروسي في سوريا، وهذا السيناريو المحتمل يمثل، حتمًا، أسوأ كابوسٍ عربيٍ ممكن. لا مفر اليوم، عربيا، من إدراك هذه الحقائق الخطيرة، ولا مهرب من العمل بمقتضاها، ليس فقط لمصلحة سوريا وشعبها، وإنما لإدراكهم باستحالة تحقيق مصلحتهم الوطنية، أصلا، في معزلٍ عن التعامل مع التأثيرات المستقبلية الممكنة لفشل محادثات جنيف.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store