• نعم تلبس بعض الكلمات أقنعة كما يلبس البشر وربما مثل «البلياتشو».
• ثم هنالك كلمات سافرة، واضحة، يصعب اعتسافها ولوي أعناقها؛ كي تناسب هوى المتكلم، لهذا تضعه في حرجٍ شديد لا يملك لها ومعها من خيارٍ ثالث. أما قولها كما هي أو الصمت عنها وتجاهلها والركون نحو المناطق الدافئة ملاذ المهادنة، وبالتالي السلامة.
• هب أن عالمًا يريد إثبات معلومة علمية، عبر نظرية أيًّا كانت اللغة المستخدمة، فهل سيضطر إلى إلباس الكلمات أقنعة أم إرادة الوضوح ستفرض نفسها؟
• للوصول مباشرةً إلى مقصدي أقول: نتعرّض نحن المشتغلين بالمفردات، سواء أكانت أحاديث مكتوبة عبر الأعمدة الصحافية أو شفاهة في الندوات وجهًا لوجه مع الجمهور، أو من خلال التلفزة والإذاعة، أو دوائر الاتصال المغلقة! نتعرض للحرج الشديد في بعض الأحيان، حينما يدور الحديث عن قضيّة لا نتوافق مع بعض تفاصيلها، أو موضوع لا نؤمن بمضمونه، ولابد لنا من قول رأي (بأي شكل)، ففي هذه الحالة لا بد من استدعاء مفردات وصيغ ذات أقنعة، بل حمّالة عدة أوجه، وهذا من حسن الحظ أن تكون لغتنا العربية الجميلة التي يقول عنها اللغويون بأنها حمّالة أوجه، بحيث تسمح للمضطر أن يعرض، والشاعر أن يجانس ويطابق، وللمتكلم أن يُحسن ويقبح!
• في إحدى تجلياته يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900): «كل فلسفة تُخفي كذلك فلسفة، وكل رأي هو أيضا مَخْبأ، وكل كلمة هي أيضًا قناع».
• من هنا، ومن أجل ما سطّرتُه آنفًا ليعذرنا المتلقي ويغفر لنا المناورة والمُداورة (أحيانا)؛ لأننا نُجلّه ونحترم عقله، فلا يمكن أن نقول له قولًا صادمًا يشكك في يقينياته أولًا، ويقوّض ثقته بنا تاليًا.


